الأحد، 14 فبراير 2016

سير اعلام النبلاء قال الامام الذهبي : إسلام ملوك اليمن:

سير اعلام النبلاء
قال الامام الذهبي :
إسلام ملوك اليمن:
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير؛ مقدمه من تبوك، ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان. وبعث إليه ذو يزن، مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم. فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا يذكر فيه فريضة الصدقة، وأرسل إليهم معاذ بن جبل في جماعة، وقال لهم: إني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن جده، عن البراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا -رضي الله عنه- فأمره أن يقفل خالدا، إلا رجل كان يمم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان جمعا. فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان". هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد.
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء؟ فضرب بيده في صدري، وقال: "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه". فما شككت في قضاء بين اثنين أخرجه ابن ماجه.
وقال محمد بن علي، وعطاء، عن جابر، أن عليا قدم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. متفق عليه. من حديث عطاء.
وقال شعبة، وغيره، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا". متفق عليه، ومن أوجه أخر بأطول من هذا.
وفي "الصحيح" للبخاري، من حديث طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض قومي. قال: فجئته وهو منيخ بالأبطح. قال: فسلمت عليه.
(2/190)

فقال: "أحججت يا عبد الله بن قيس"؟ قلت: نعم. قال: "كيف قلت"، قال: قلت: لبيك إهلالا كإهلالك. فقال: "أسقت هديا"؟ قلت: لم أسق هديا. قال: "فطف بالبيت واسع ثم حل". ففعلت. وذكر الحديث.
أما معاذ فالأشبه أنه لم يرجع من اليمن حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله ورسوله. يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ الحق كما أمره، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، ولا يمس القرآن أحد، إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، وقال: {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس من النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرة. وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي إلى السماء بفرجه. ولا يعقد شعر رأسه إذا عفي في قفاه. وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبال والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله -عز وجل- ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر بإسباغ الوضوء؛ وجوهم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم، إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله، وأمروا بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله -عز وجل- وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى الغيل وفيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب فنصف العشر. ثم ذكر زكاة الإبل والبقر"، مختصرا.
(2/191)

قال: وعلى كل حالم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، من اليهود والنصاري، دينار واف أو عرضه من الثياب. فمن أدى ذلك كان له ذمة الله ذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين.
وقد روى سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، نحو هذا الحديث موصولا؛ بزيادات كثيرة في الزكاة، ونقص عما ذكرنا في السنن.
وقال أبو اليمان: حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن راشد بن حميد السكوني: أن معاذا لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: "يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري". فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "لا تبك يا معاذ، البكاء من الشيطان".
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما قدم وقد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوهم". فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وقال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن ابن البيلماني، عن كرز بن علقمة، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران؛ ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، منهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم، صاحب مشورتهم، والذين لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره؛ واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم؛ واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل؛ أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم.
وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم. وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس. فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له، يقال له: كرز بن علقمة؛ يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد؛ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال له: لم يا أخي؟ فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره. قال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء
(2/192)

القوم؛ شرفونا ومولونا، وقد أبوا إلا خلافة، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وقال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله فيهم: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والأنجيل إلا من بعده} [آل عمران: 65] .
فقال أبو رافع القرظي: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من نجران يقال له الربيس: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله". فنزلت: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم} [آل عمران: 79] ، إلى قوله: {من الشاهدين} [آل عمران: 81] .
وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن مسعود؛ ورواه شعبة، وسفيان، عن أبي إسحاق فقالا حذيفة بدل ابن مسعود: إن السيد والعاقب أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين". فاستشرف لها أصحابه: فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام قال: "هذا أمين هذه الأمة". أخرجه البخاري من حديث حذيفة.
وقال إدريس الأودي، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرأون {يا أخت هارون} [مريم: 28] ، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم؟ قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم". أخرجه مسلم.
وقال ابن إسحاق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، قبل أن يقاتلهم، ثلاثا. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون
(2/193)

إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، فأقام خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. ثم قدم وفدهم مع خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أعيانهم: قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل. قال: فأمر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قيسا.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم، بعد أن ولى وفدهم، عمرو بن حزم ليفقههم ويعلمهم السنة، ويأخذ منهم صدقاتهم.
وفي عاشر ربيع الأول: توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن سنة ونصف، وغس






المصدر :   

 
الكتاب: سير أعلام النبلاء
المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
الناشر: دار الحديث- القاهرة
الطبعة: 1427هـ-2006م
عدد الأجزاء: 18
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

من كتب المكتبة الشاملة

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة قال ابن تيمية الوجه السادس عشر ما ذكر في تفسير قصة موسى والوادي المقدس وتفسير ذلك

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
قال ابن تيمية
الوجه السادس عشر
ما ذكر في تفسير قصة موسى والوادي المقدس وتفسير ذلك


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 381 ]  


فنقول هؤلاء المتفلسفة في العقول والنفوس قد أشملوا هذا من الأصول المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى ما لا يتسع هذا الموضع لذكره مع أن دلالة هذه الألفاظ على تلك المعاني أفسد مما رده من التأويلات ونحن نعلم بالإضطرار من ملة المسلمين واليهود والنصارى أن الطور الذي كلم الله عليه موسى هو جبل من الجبال والطور الجبل وعلم بالاضطرار من دين أهل الملل والنقل بالتواتر أن الله لما كلم موسى كلمه من الشجرة وأنه كان يخرج منها نار محسوسة وأن موسى عليه السلام لما ضرب امرأته المخاض قال لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى طلب أن يجيء بجذوة نار أو يجد من يخبره وأنه سبحانه وتعالى كلمه وهو بالوادي المقدس طوى وعلم أن هذا التكليم الذي كلمه موسى لم يكلم غيره من الأنبياء والرسل إلا ما يذكر من مناجاة النبي ليلة المعراج وعلى ما ذكروه فلا فرق بين موسى وغيره من الأنبياء بل وغير الأنبياء قال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
وقال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات
وقال تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 382 ]  


تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين
وقال تعالى في سباق ذكر الأنبياء واذكر في الكتاب موسى أنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا
وقد ذكر مناداته له ومناجاته إياه في مواضع من القرآن ولم يذكر أنه فعل ذلك بغيره من الأنبياء وهذا مما أجمع عليه المسلمون وأهل الكتاب أن تكليم الله تعالى لموسى من خصائصه التي فضيلة بها على غيره من الأنبياء والرسل
وفي الصحاح من الأحاديث مثل حديث الشفاعة ومحاجة آدم موسى وذكر فضيلته بتكليم الله تعالى إياه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 383 ]  


وكذلك في حديث المعراج من رواية شريك عن أنس وهو في الصحيحين وهذا يطول
ثم السلف والأئمة ضللوا بل كفروا من قال إن الله خلق كلاما في الشجرة أو الهواء فسمعه موسى كما يقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم
ومعلوم أن هذا أقرب إلى أقوال الرسل من قول هؤلاء المتفلسفة الذين


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 384 ]  


يزعمون أن ذلك فيض فاض من العقل على نفس النبي كما يفيض على سائر الأنبياء وغيرهم فإن هذا ليس من مقالات أهل الملل لا سنيهم ولا بدعيهم لكن من مقالات الصابئة المتفلسفة الذين ليس عندهم في الحقيقة لله كلام ولا ملائكة تنزل بكلامه بل عندهم لا تمييز بين موسى وهارون ولا بينهما وبين فرعون
فكيف يتصور على أصلهم أن يختص موسى برسالاته وكلامه غايته أن القلوب عندهم مثل آنية توضع تحت السماء فيقع فيها المطر أو نبات تنبسط عليه الشمس فتجففه فيكون ذلك بحسب القابل ولهذا يمكن عندهم أن يكلم كل واحد كما كلم موسى
وعندهم قد يسمع أحدهم ما سمعه موسى وقد ذكر ذلك صاحب المشكاة في غير هذا الموضع
وهذا القول لا ريب أنه يعلم بالإضطرار من دين الإسلام أنه باطل وقد بينا في غير هذا الموضع الشبهة الباطلة التي قالها من قالها من المتكلمين في سماع كلام الله ورؤيته حيث قالوا إن ذلك ليس إلا مجرد إدراك يحصل في نفس العبد من غير أسباب منفصلة عنه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 385 ]  


وهذا مما أوقع الطائفة الاتحادية وغيرهم من المبتدعة في دعوى رؤيته في الدنيا
وهو أيضا مما يجريهم على دعوى مقام التكليم نعوذ بالله من الضلالة ونسأله الهدى والثبات عليه
وتجدهم قد فتحوا هذه الجرأة على الله فلا يزال أحد هؤلاء يدعي ما خص به المكلم في شريف مقامه الجليل ولا يميزون لضلالهم ونفاقهم بين ما يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه وبين أوليائه من الإلهام والحديث الذي يجب عرضه على الكتاب والسنة وبين تكليمه لنبيه موسى من وراء حجاب كما قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم
ففرق بين ما يوحيه والإيحاء الإعلام الخفي السريع وبين تكليمه لموسى من وراء حجاب نداء ونجاء وقد قال تعالى
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي
وقال وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه
وفي الصحيحين عن النبي أنه قال قد كان في الأمم قبلكم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 386 ]  


محدثون فإن يكن في امتي فعمر فهذا وأمثاله مما يكون لغير الأنبياء
فأما تكليم الله تعالى لموسى فإنه لم يكن لعامة الرسل والأنبياء فضلا عمن سواهم
ولما كان هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم يجعلون كلام الله كله لموسى وغيره من الأنبياء ما يفيض على نفوسهم من العقل الفعال زادت الإتحادية درجة أخرى فجعلوا كلامه كل ما يظهر من شيء من الموجودات
وهؤلاء يصرح أحدهم بأن ما يسمعه من بشر مثله أعظم من تكليم الله لموسى لأن ذلك بزعمهم كلام الله من الشجرة وهي جماد وهذا كلام الله من الحيوان والحيوان أعظم من الجماد
وطائفة أخرى منهم يقولون إن الإلهام المجرد وهي المعاني التي تتنزل على قلوبهم أعظم من تكليم الله موسى لأن هذا بزعمهم خطاب محض بلا واسطة ولا حجاب وموسى خوطب بحجاب الحرف الصوت وأمثال هذا الكلام الذي يتضمن ترفع أحدهم عن تكليم الله لموسى الذي علم بالإضطرار من دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أنه أعظم من خطابه وإيحائه لسائر الأنبياء والمرسلين ولهذا يقولون إن الولاية أعظم من النبوة والنبوة أعظم من الرسالة وينشدون
... مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 387 ]  


ويقولون إن ولاية النبي أعظم من نبوته ونبوته أعظم من رسالته ثم قد يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة خاتم الأولياء وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا الولي يأخذ عن الله بغير واسطة والنبي والرسول بواسطة ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم ويجعلونه من باب المخاطبات الإلهية والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن عمران وهو في الحقيقة إيحاءات شيطانية ووساوس نفسانية وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ولو هدوا لعلموا أن أفضل ما عند الولي ما يأخذه عن الرسول لا ما يأخذه عن قلبه وأن أفضل الأولياء الصديقون وأفضلهم أبو بكر وكان هو أفضل من عمر مع أن عمر كان محدثا كما ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر
وفي الترمذي لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وقال إن


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 388 ]  


الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ومع هذا فالصديق إنما كان يتلقى من مشكاة النبوة فهو أفضل مطلقا لأن ما يأخذه عن معصوم من الخطأ والمحدث ليس بمعصوم بل يقع له الصواب والخطأ ولهذا يحتاج أن يزن بالميزان النبوي المعصوم جميع ما يقع له أي لغير الأخذ من مشكاة النبوة فهذا حال محدث السابقين الأولين وهو عمر بن الخطاب وهو أفضل من غيره والصديق أكمل منه وأتم مقاما فهذا حال خير السابقين الأولين وأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين فكيف بهؤلاء الذين فيهم من الباطل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال والإكرام وكذلك جعله أمره بخلع النعلين يتضمن ترك الدنيا والآخرة أمر لا يدل عليه لا حقيقة اللفظ ولا مجازه إن صح المجاز ولم يذكر عن أحد من المسلمين لا من الصحابة ولا التابعين ولا من غيرهم إن ذلك مرادا من هذا اللفظ بل قد ذكروا أن سبب


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 389 ]  


الأمر بخلعهما كونهما كانا من جلد حمار غير ذكي ثم هذا الخلع صار سنة اليهود عند عباداتهم ونحن قد أمرنا بمخالفتهم في ذلك فكيف يجعل مضمون هذا الخلع مشروعا لنا ونحن نأباه
وفي السنن عن النبي قال إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم
وفي الصحيحين عن أنس قال رأيت رسول الله يصلي في نعليه
وفي المسند وسنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله صلاته قال ما حملكم على إلقائكم نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا
وقال إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 390 ]  


وفيهما أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله قال إذا وطىء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور
وفي رواية إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب
فكثير من الناس يقول في تفضيل نبينا محمد ما مضمونه إن موسى أمر بخلع نعليه بالوادي المقدس ونبينا لم يؤمر بشيء ليلة المعراج مع علو درجته على موسى
ولو كان في ذلك أمر بترك الدنيا والآخرة لكان محمد مأمور بذلك وكان ذلك شرعا لنا
والتعبير عن هذه المعاني بهذه العبارات مع دعوى أنه بهذا المنزل حصل له الخطاب وهو الذي يوقع طوائف في بيداء الضلالات ظنا أن هذا المقام وما يشبهه ينال بالزهد أو غيره فيطلب أحدهم ما لا يصلح للأنبياء فضلا عن أن يصلح لأمثاله حتى يقع فيما هو من جنس حال أعظم المبتدعة بل حال الكفار والمنافقين قال أبو مجلز لاحق بن حميد في قوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين
قال إن يسأل الإنسان منازل الأنبياء


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 391 ]  


وبمثل هذا ضل ابن قسي صاحب كتاب خلع النعلين
حتى ذكر في كتابه من أنواع الباطل ما ذكره وشرحه ابن عربي صاحب الفصوص فتارة يشتمه ويسبه ويقول إنه من أجهل الناس وتارة يجعل كلامه في نهاية التحقيق والعرفان
ومن المعلوم أنه لا بد في كلامه وكلام غيره من أمور صحيحة ومعان حسنة لكن هي متضمنة من الباطل والضلال ما يفوق الوصف
فإن أحد هؤلاء إن أمكنه أن يدعي الإلهية أو النبوة ولو بعبارة غريبة لا ينفر عنه الناس فعل حتى كان في زماننا غير واحد ممن اجتمع بي وأنكرت عليه وجرى لنا في القيام عليهم فصول ممن يدعي الرسالة ظانا أن هذا يسلم له إذا لم تسلم له النبوة فيدعون الرسالة فإذا جاء من يخاف منه من العلماء


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 392 ]  


ادعى أحدهم الإرسال العام الكوني كإرسال الرياح وإرسال الشياطين وتارة يدعي إرسال الرسل كقصة صاحب يس أي في فترةصاحب يس
وقد وضح للعالم أن الرسالة التي وصف بها الأنبياء ممنوعة إذ هي أخص من النبوة وعلم أن النبوة بعد محمد منفية بقوله إن الله ختم بي النبوة والرسالة
وأما الإرسال الثاني فلا يكون مع مشافهة الرسول إلا في حياته وأما بعد موته فتبليغ القرآن والإيمان والسنة أمر مشترك
وتارة يدعي أحدهم أنه خاتم الأولياء ظانا أن خاتم الأولياء أفضلهم قياسا على خاتم الأنبياء ثم يدعون لخاتم الأولياء ما هو أعظم من النبوة والرسالة
وخاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك غلطا لم يسبق إليه ولم يتابع عليه ولم يستند فيه إلى شيء


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 393 ]  


ومسمى هذا اللفظ هو آخر مؤمن يبقى ويكون بذلك خاتم الأولياء وليس ذلك أفضل الأولياء باتفاق المسلمين بل أفضل الأولياء سابقهم وأقربهم إلى الرسول وهو أبو بكر ثم عمر إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول أفضل بخلاف خاتم الرسل فإنه الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره فقياس مسمى أحد اللفظين على الآخر في وجوب كونه أفضل من أبعد القياس
وتارة يدعي أحدهم المهدية أو القبطية ويقول أنا القطب الغوث الفرد الجامع ويدخل في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 394 ]  


يعطي الولاية من يشاء ويصرفها عن من يشاء والله يقول لسيد ولد آدم إنك لا تهدي من أحببت
وقال ليس لك من الأمر من شيء
وقد بسطنا الكلام في هذه الأمور لحاجة الناس إلى ذلك في غير هذا الموضع
فصل
وهذا كله إذا ميز وجود القلم وغيره من المخلوقات عن وجود الرب تعالى كما عليه أهل الملل وجمهور العقلاء من غيرهم
وأما على قول هؤلاء المدعين التحقيق الذين يدعون أن الوجود


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 395 ]  


واحد فلا يتميز وجود مبدع عن وجود مبدع ولا وجود خالق عن وجود مخلوق وهم يصرحون بهذا في كتبهم وفي كلامهم ولكنهم في حيرة وضلال فإنهم إذا يشهدون أن بين الموجودات تباينا وتفرقا فيريدون أن يجمعوا بين ما ادعوه من وحدة الوجود وبين التعدد للموجود فاضطربوا في ذلك
فأما صاحب الفصوص فكلامه يدور على أصلين
أحدهما أن الأشياء كلها ثابتة في العدم مستغنية بنفسها نظير قول من يقول المعدوم شيء ولكن هذا لا يفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق إذ ليس عنده ذات واجبة متميزة بوجودها عن الذوات الممكنة وإن كان قد يتناقض في ذلك قولهم فإنهم كلهم يتناقضون وكل من خالف الرسول فلا بد أنه يتناقض قال تعالى إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من إفك وقال ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
الأصل الثاني
أن الوجود الذي لهذه الذوات الثابتة هو عين وجود الحق الواجب ولهذا قال في أول الفصوص في الشيثية


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 396 ]  


ومن هؤلاء يعني الذين لا يسألون الله من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه من حال ثبوت عينه قبل وجودها ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه من حال ثبوته فيعلم علم الله به من أين حصل وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين منهم من يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلم ذلك مفصلا والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه مما أعطاه عينه من العلم به وإما بأن يكشف له عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناها وهو وأعلى فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد هذا لفظه فهو مع كونه جعل عينه ثابتة قبل الوجود زعم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به فجعل الحق تعالى عاجزا لا يقدر إلا على ما كانت عليه عينه وجعله لا يعلم بمخلوقاته من جهة نفسه بل يراها في حال ثبوتها التي لا تفتقر فيه إليه فيعلم أحوالها حينئذ وزعم أن العبد قد يساويه في هذا العلم ولهذا صرح بحدوث علم الله ومساواة العبد له في ذلك فقال لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله تعالى سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك أي على أحوال عينه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 397 ]  


إلى أن قال فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم ومن هنا يقول الله تعالى حتى نعلم وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له في هذا المشرب شرب
فبين مساواة العبد له في العلم وإن علم الله حادث كما أن علم العبد حادث وهذا أصل مذهبه أن كل واحد من وجود الحق وثبوت الخلق يساوي الآخر ويفتقر إليه كما ذكره في الخليلية وغيرها ولهذا يقول
... فيعبدني وأعبده ... ويحمدني وأحمده ...
ويقول إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب مع أنه يقول إنهما شيء واحد إذ لا


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 398 ]  


فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت فهو يقول في الكون كله نظير ما قالته الملكانية من النصارى في المسيح لكنه يزيد عليهم بأن يسوي بين الحق والخلق وأن الحق مفتقر إلى الخلق وأن الأمر عنده لم يزل كذلك مع زيادته عليهم فإنه قال في جميع المخلوقات أعظم مما قالوه في المسيح ثم أخذ يتكلم في منح الحق ذاته وبين أنه إذا منح العبد وجوده فإنما يكون بحسب ما عليه ذواتهم ولا يرون إلا صورة ذواتهم في وجوده ولا يرون الحق أبدا ولا يمكن أن يروه لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ ليس له وجود سوى وجود ذوات المخلوقات وما سوى وجود المخلوقات فعدم
قال فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجلي إلهي والتجلي من الذات لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلي له وغير ذلك لا يكون فإذا المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ولا يرى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 399 ]  


في الشاهد إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها فأبرز الله تعالى ذلك مثالا نصبه لتجليه للذوات ليعلم المتجلي له أنه ما رآه وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والمتجلى من هذا وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة إلى أن قال وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن تترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه فاختلط الأمر وأنبهم فمنا من جهل في علمه وقال والعجز عن درك الإدراك إدراك ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول بل أعطاهم العلم السكوت ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله هذا لفظه
ثم أنه لم يكتف بهذا الذي ذكره مما حقيقته جحود الخالق وأنه ليس ثم موجود سوى المخلوقات وهو حقيقة قول فرعون فجعل العالم بذلك أعلى عالم بالله حتى جعل الرسل جميعهم والأنبياء يستفيدون هذا العلم من مشكاة الذي جعله خاتم الأولياء وجعله أفضل من خاتم الرسل من جهة الحقيقة والعلم به وأنه يأخذ عن الأصل من حيث يأخذ الملك الذي يوحي إلى خاتم الرسل وأن خاتم الرسل إنما هو سيد في الشفاعة فسيادته في هذا المقام الخاص لا على العموم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 400 ]  


فقال وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء وأن الرسالة والنبوة أعني نبوة الشرائع ورسالته ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه في وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلا وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم وفي تأبير النخل مما يلزم الكامل أن يكون له التقدم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 401 ]  


في كل شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها ولما مثل النبي النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة فكان النبي تلك اللبنة غير أنه لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة فكان يرى نفسه موضع تلك اللبنة وأما خاتم الأولياء فلا بدله من هذه الرؤية فيرى ما مثل به رسول الله ويرى في الحائط موضع لبنتين من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط بهما ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنة فضة ولا بد أن يرى نفسه منطبعا


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 402 ]  


في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تلك اللبنتين فيكمل الحائط والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهر وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسل فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع فكل بني من أن لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث وكذلك خاتم الأنبياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيل شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الإتصاف بها من كون الله تعالى تسمى بالولي الحميد فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم الولاية نسبة الأنبياء والرسل معه فإنه الولي الرسول النبي وخاتم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 403 ]  


الأولياء الولي العارف الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد مقدم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة فعين حالا خاصا ما عمم وفي هذا الحال الخاص مقدم على الأسماء الإلهية فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام الخاص فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام إلى أن قال وبهذا العلم سمي شيث لأنه معناه هبة الله فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه وما وهبه إلا منه لأن الولد سر أبيه فمنه خرج وإليه عاد فما أباه غريب لمن عقل عن الله وكل عطاء في الكون على هذا المجرى فما في أحد من الله شيء وما في أحد من سوى نفسه شيء وإن تنوعت عليه الصور وما كل أحد يعرف هذا وإن الأمر على ذلك إلا آحاد من أهل الله فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه وذلك هو عين صفات خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف وتحنه ما لم يكن قبل ذلك في يده فتلك الصورة عينه لا غيره فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 404 ]  


وقال أيضا في الإدريسية من أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجوات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو فهو العلي لا علو إضافة لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع فوجود الكثير من الأسماء وهي النسب وهي أمور عدمية وليس إلى العين التي هي الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة فما في العالم من هذه الحقيقة علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة لذلك يقول فيه هؤلاء هو أنت لا أنت قال أبو سعيد الخراز وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر في حال


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 405 ]  


بطونه وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات
إلى أن قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق بالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة فانظر ماذا ترى قال يا أبت أفعل ما تؤمر والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة والد لا بل بحكم ولد والوالد من هو عين الوالد وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد فمن الطبيعة ومن الظاهر فيها وما رأيناها نقصت بما ظهر فيها ولا زادت بعد ما ظهر وما الذي ظهر غيرها وما هي عين


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 406 ]  


ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم فهذا بارد يابس وهذا حار يابس فجمع بين اليبسين وأبان بغير ذلك والجامع الطبيعة لا بل العين الطبيعية بل معالم الطبيعة صور في مرآة واحدة لا بل صورة واحدة في مراء مختلفة فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر ومن عرف ما قلناه لم يحر وإن كان في مزيد علم وليس الأمر إلا حكم المحل والمحل عين العين الثابتة فيها يتنوع الحق في المحل بتنوع الأحكام عليه فيقبل كل حكم وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه ما ثم إلا هذا ثم أنشد
... فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا ... وليس خلقا بذاك الوجه فلاذكروا ...
... من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته ... وليس يدريه إلا من له بصرو ...
... جمع وفرق فإن العين واحدة ... وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر ...
فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي فيه تستغرق جميع


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 407 ]  


الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نصيب منها وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة
فهذا وغيره من كلامه يبين أن الوجود عنده واحد وليس للخالق وجود مباين لوجود المخلوقات بل وجودها عينه ثم يذكر الظاهر الخيالي والمراتب وهي عنده الذوات الثابتة في العدم المساوية للوجود
وأما أسماء الله تعالى فهي عنده النسبة التي بين الوجود وبين هذه المراتب وهي في الحقيقة أمور عدمية وكل من الوجود والثبوت لا ينفك عن الآخر ولا يستغني عنه وهو شبيه بقول من يقول الوجود غير الماهية وهو ملازم لها والمادة غير الصورة وهي ملازمة لها


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 408 ]  


لكن صاحب الفصوص يجعل وجود هذا الوجود الحق الذي هو وجود كل شيء فهو الموصوف عنده بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل كما هو الموصوف عنده بصفات المدح والكمال فهو العالم والجاهل والبصير والأعمى والمؤمن والكافر والناكح والمنكوح والصحيح والمريض والداعي والمجيب والمتكلم والمستمع هذا كله يذكره في مواضع من كلامه وهذا عنده غاية الكمال وفي هذا المعنى ينشدون
... وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه ...
وهو عنده هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم وقد يقول لا هو العالم ولا غيره وقد يقول هو العالم أيضا وهو غيره وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها من المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين إذ ليس مذهبه في الغيرين مذهب الصفاتية


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 409 ]  


فصل
وأما صاحبه القونوي فقد كان التلمساني صاحب القونوي وكان هو أحذق متأخريهم يقول إنه كان أتم من ش







بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
المؤلف : ابن تيمية
عدد المجلدات : ١

كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عزوجل قل ابن خزيمة : في إثبات الوجه لله جل ثناؤه

كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عزوجل
قل ابن خزيمة : في إثبات الوجه لله جل ثناؤه
4 باب ذكر البيان من أخبار النبي المصطفى في إثبات الوجه لله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه موافقة لما تلونا من التنزيل الذى هو بالقلوب محفوظ وبين الدفتين مكتوب وفي المحاريب والكتاتيب مقروء 
11 - : 1 حدثنا عبد الجبار بن العلا العطار وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي
(1/27)
قالا حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال النبي أعوذ بوجهك الكريم قال أو من تحت أرجلكم قال النبي أعوذ بوجهك قال أو يلبسكم شعيا ويذيق بعضكم بأس بعض قال هاتان أهون وأيسر هذا لفظ حديث المخزومي ومعنى حديثهما واحد 
12 - : 2 حدثنا عبد الجبار بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم الدروقي والحسين ابن الحسن وأبو عمار الحسين بن حريث وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالوا ثنا سفيان عن الزهرى عن عامر بن سعد عن أبيه قال مرضت بمكة عام الفتح فذكروا الحديث بتمامه 
وقالوا في الخبر قال قلت يا رسول الله أخلف عن هجرتي فقال إنك
(1/28)
لن تخلف بعدى فتعمل عملا تريد به وجه الله إلا ازددت به رفعة ودرجة قال أبو بكر قد أمليت طرق هذا الخبر في أبواب الوصايا 
13 - : 3 : حدثنا أحمد بن عبده الضبي قال ثنا حماد يعني بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبيه قال كنا جلوسا في المسجد فدخل
(1/29)
عمار بن ياسر فصلى صلاة أخفها فمر بنا فقيل له يا أبا اليقظان خففت الصلاة فقال أو خفيفة رأيتموها قلنا نعم قال أما أني قد دعوت فيها بدعاء قد سمعته من رسول الله ثم مضى فاتبعته رجل من القوم قال عطاء يرونه أبي اتبعه ولكنه كره أن يقول اتبعه فسأله عن الدعاء ثم رجع فأخبرهم بالدعاء اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أجمعين أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق والعدل في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا يبيد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلناه هداة مهتدين // أخرجه النسائي في كتاب السهو // 
قال أبو بكر ألا يعقل ذوو الحجا يا طلاب العلم أن النبي لا يسأل ربه ما لا يجوز كونه ففي مسألة النبي ربه لذة النظر إلى وجهه أبين البيان وأوضح الوضوح أن لله عز و جل وجها يتلذذ بالنظر إليه من من الله جل وعلا عليه وتفضل بالنظر إلى وجهه 
وللنظر إلى وجهه يوم المعاد باب سيأتي في موضعه من الله بهذه الكرامة على من يشاء من عباده المؤمنين 
قد أمليت أخبار النبي من صام يوما في سبيل الله ابتغاء وجه الله
(1/30)
باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا // أخرجه البخارى في كتاب الجهاد // 
بعضه في كتاب الصيام وبعضه في كتاب الجهاد فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الموضع 
14 - : 4 : وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نهيك عن ابن عباس عن رسول الله قال من استعاذ بالله فأعيذوه ومن ساءلكم بوجه الله فأعطوه 
حدثناه نصر بن علي الجهضمي وإسماعيل بن بشر بن منصور السليمي قالا ثنا خالد بن الحرث قال ثنا سعيد بن أبي عروبة
(1/31)
15 - : 5 حدثنا أحمد بن داود الواسطي قال ثنا وهب يعني ابن جرير قال ثنا شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال مثل المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله مثل القائم المصلى حتى يرجع المجاهد // أخرجة البخارى في الجهاد والسير // 
قال أبو بكر قد أمليت هذا الباب في فضائل الجهاد
(1/32)
16 - : 6 : حدثنا بشر بن خالد العسكري قال ثنا محمد عن شعبة عن سليمان وهو الأعمش قال سمعت أبا وائل قال قال عبد الله قسم رسول الله قسما فقال رجل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي فذكرت ذلك له فاحمر وجهه قال شعبة وأظنه قال وغضب حتى وددت أني لم أخبره قال شعبة أحسبه قال يرحمنا الله وموسى شك شعبة في يرحمنا الله وموسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر 
قال أبو بكر قد أمليت طرق هذا الحديث في باب صبر الإمام على أذى الرعية 17 : 7 : حدثنا محمد بن يحيى قال ثنا أبو المغيرة قال ثنا أبو بكر يعنى ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني قال حدثنى ضمرة بن
(1/33)
حبيب عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت أن النبي علمه وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباح لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك إليك الحديث بتمامه وفي هذا الحديث اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة الحديث بطولة أمليته في كتاب الدعاء 
قال أبو بكر وهذا الخبر أيضا داخل في إثبات اليد لله عز و جل ستأتي أبواب إثبات اليد في موضعه من هذا الكتاب 
18 - : 8 حدثنا محمد بن الحسن بن تسنيم قال ثنا محمد يعني ابن
(1/34)
بكر البرساني قال ثنا أبو العوام يعنى عمران القطان عن عاصم عن أبي وائل أن شبث بن ربعي صلى إلى جنب حذيفة فبزق بين يديه فقال حذيفة إن رسول الله نهى عن ذا ثم قال إن المسلم إذا دخل في صلاته أقبل الله إليه بوجهه فيناجيه فلا ينصرف حتى ينصرف عنه أو يحدث حدثا 
19 - : 9 : حدثنا محمد بن بشار قال ثنا يحيى قال ثنا الأعمش قال ثنا
(1/35)
شقيق قال كنا عند حذيفة فقال شبث بن ربعي فصلى فبصق بين يديه فقال له حذيفة يا شبث لا تبصق بين يديك ولا عن يمينك فإن عن يمينك كاتب الحسنات ولكن عن يسارك أو من ورائك فإن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فيناجيه فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء 
قال أبو بكر لم أجد في كتابي حتى ينصرف وأظن الوراق أسقطه خرجت هذا الباب في كتاب الصلاة 
. : 10 : حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال ثنا أبو داود سليمان بن
(1/36)
داود قال ثنا أبان يعني بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعرى أن رسول الله قال إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن . . . . . فذكر الحديث بطوله وقال في الحديث وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده // صحيح ابن خزيمة في كتاب الصلاة // 
قال أبو بكر قد أمليت خبر أبي توبة الربيع بن نافع عن معاوية بن سلام بهذا الخبر بطولة في كتاب الصلاة 
فعيسى روح الله قد حث نبي الله يحيى بن زكريا أن يعلم بني إسرائيل ما أمره الله بإعلامه وفيما أمر الله يحيى بن زكريا بإعلامه بني إسرائيل أن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده إذا قام إلى الصلاة ففي هذا ما بان وثبت وصح أن بني
(1/37)
إسرائيل كانوا موقنين بأن لخالقهم وجها يقبل به إلى وجه المصلى له 
ونبينا قد أعلم أمته ما أمر الله عز و جل به يحيى بن زكريا عليهما السلام أن يأمر به بني إسرائيل لتعلم وتستيقن أمته أن لله وجها يقبل به على وجه المصلي له كما أوحى إليه فيما أنزل عليه من الفرقان فأينما تولوا . . . . . . أى بصلاتكم فثم وجه الله 
20 - : 11 حدثنا عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني قال حدثنا محمد يعني ابن عبيد قال ثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة عن عبد الله بن عمرو قال حججنا معه حتى إذا كنا ببعض طريق مكة رأيته تيمم وطرح شئ له فجلس تحتها ثم قال رأيت رسول الله تحت هذه الشجرة إذ أقبل رجل من هذا الشعب فسلم
(1/38)
على رسول الله ثم قال يا رسول الله إني أريد الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال هل من أبويك أحد حي قال نعم يا رسول الله كلاهما قال إرجع فابرر والديك قال فولى راجعا من حيث جاء 
21 - : 12 : حدثنا علي بن الحسين الدرهمي قال ثنا أبو عبد الصمد العمي يعني عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه // أخرجه صحيح البخاري في كتاب التفسير // 
22 - : 13 : حدثنا عبد الله بن محمد الزهرى قال ثنا سفيان عن الأعمش قال سمعت أبا وائل يقول سمعت خبابا يقول هاجرنا مع رسول الله
(1/39)
نبتغي وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأكل من حسناته شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك بردة فإذا جعلناها على رأسه بدت رجلاه وإذا جعلناها على رجليه بدا رأسه فأمرنا النبي أن نجعل على رجليه شيئا من الإذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها 
قال أبو بكر خرجت طرق هذا الخبر في كتاب الجنائز في باب الاستدلال بأن الكفن من جميع المال 
23 - : 14 : حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال حدثنا عمرو بن عاصم قال ثنا همام عن قتادة عن موروق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي قال إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها // صحيح ابن خزيمة كتاب الصلاة //
(1/40)
قال أبو بكر قد أمليت طرق هذا الخبر في غير هذا الكتاب في خبر فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي في الدعاء عند الخروج إلى الصلاة فيه وأقبل الله عليه بوجهه
(1/41)
24 - : 15 : حدثنا محمد بن يحيى بن ضريس قال ثنا بن فضيل عن فضيل بن مرزوق 
. . حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال ثنا آدم بن أبي إياس قال ثنا سليم بن حيان عن فضيل بن مرزوق فذكر الحديث بتمامه 
قال محمد بن خلف في حديثه قال رسول الله وقال ابن يحيى بن ضريس رفعه إلى النبي 
25 - : 16 : وفي خبر زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف الشيباني عن علي
(1/42)
ابن حسين قال حدثتنا أم سلمة أن نبي الله قال من أدى زكاة ماله طيب النفس بها يريد بها وجه الله والدار الآخرة . . 
حدثناه زكريا بن يحيى بن أبان قال ثنا عمرو بن خالد وعلى بن معبد قالا ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة قد أمليته بتمامه في كتاب الزكاة 
26 - : 17 : وفي خبر عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه فقال النبي
(1/43)
إنك لن تخلف بعدى فتعمل عملا صالحا تبتغي به وجه الله إلا ازددت درجة ورفعة 
وقال أيضا في الخبر إنك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله إلا أجرت عليها 
قال أبو بكر أمليت هذا الخبر في كتاب الوصايا 
27 - : 18 : حدثنا محمد بن رافع قال ثنا يحيى بن آدم قال ثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال إذا لبست المرأة ثيابها ثم خرجت قيل أين تذهبين فتقول أعود مريضا أو أصلي على جنازة أو أصلي في مسجد فقيل وما تريدين بذلك فتقول وجه الله والذى لا إله غيره ما التمست المرأة وجه الله بمثل أن تقر في بيتها وتعبد ربها 
قال أبو بكر هذا باب طويل لو استخرج في هذا الكتاب أخبار النبي التي فيها ذكر وجه ربنا جل وعلا لطال الكتاب وقد خرجنا كل صفة من هذه الأخبار في مواضعها في كتب مصنفة
(1/44)
5 - باب ذكر صورة ربنا جل وعلا 
وصفة سبحات وجهه عز و جل تعالى ربنا أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه وعز ألا يكون له وجه إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وج





الكتاب : كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عزوجل
المؤلف : أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (المتوفى : 311هـ)
الناشر : مكتبة الرشيد - الرياض
الطبعة الخامسة ، 1994
تحقيق : د.عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان
عدد الأجزاء : 2

ابن القيم | الطب النبوي | زاد المعاد فصل في هديه في علاج استطلاق البطن

ابن القيم | الطب النبوي | زاد المعاد
فصل
في هديه في علاج استطلاق البطن
في الصحيحين : من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري [ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه : وفي رواية : استطلق بطنه فقال : اسقه عسلا فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا وفي لفظ : فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول له : اسقه عسلا فقال له في الثالثة أو الرابعة : صدق الله وكذب بطن أخيك ]
وفي صحيح مسلم في لفظ له : [ إن أخي عرب بطنه ] أي فسد هضمه واعتلت معدته والاسم العرب بفتح الراء والذرب أيضا
والعسل فيه منافع عظيمة فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها محلل للرطوبات أكلا وطلاء نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردا رطبا وهو مغذ ملين للطبيعة حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة منق للكبد والصدر مدر للبول موافق للسعال الكائن عن البلغم وإذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش
الهوام وشرب الأفيون وإن شرب وحده ممزوجا بماء نفع من عضة الكلب الكلب وأكل الفطر القتال وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيرا من الفاكهة ستة أشهر ويحفظ جثة الموتى ويسمى الحافظ الأمين وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح سددها ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل ضررا لسدد الكبد والطحال من كل حلو
وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار مضر بالعرض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعا له جدا
وهو غذاء مع الأغذية ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وحلو مع الحلوى وطلاء مع الأطلية ومفرح مع المفرحات فما خلق لنا شئ فى في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه ولم يكن معول القدماء إلا عليه وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصحة
وفي سنن ابن ماجه مرفوعا من حديث أبي هريرة [ من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء ] وفي أثر آخر : [ عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن ] فجمع بين الطب البشري والإلهي وبين طب الأبدان وطب الأرواح وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي
إذا عرف هذا فهذا الذي وصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء فإن العسل فيه جلاء ودفع للفضول وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط والعسل جلاء والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء لا سيما إن مزج بالماء الحار
وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب حال الداء إن قصر عنه لم يزله بالكلية وإن جاوزه أوهى القوى فأحدث ضررا آخر فلما أمره أن يسقيه العسل سقاه مقدارا لا يفي بمقاومة الداء ولا يبلغ الغرض فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله واعتبار مقادير الأدوية وكيفياتها ومقدار قوة المرض مرض من أكبر قواعد الطب
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : [ صدق الله وكذب بطن أخيك ] إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكذب البطن و كثرة المادة الفاسدة فيه فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة
وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلق هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم ومرضا إلى مرضهم وأين يقع طب الأبدان منه فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطبية كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطبية والقلوب الحية فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن طب الإستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع وليس ذلك لقصور فى الدواء ولكن لخبث الطبيعة وفساد المحل وعدم قبوله والله الموفق


 زاد المعاد    [ جزء 4 - صفحة 34 ]  


فصل
وقد اختلف الناس في قوله تعالى : { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس } [ النحل : 69 ] هل الضمير في فيه راجع إلى الشراب أو راجع إلى القرآن ؟ على قولين : الصحيح : رجوعه إلى الشراب وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأكثرين فإنه هو المذكور والكلام سيق لأجله ولا ذكر للقرآن فى الآية وهذا الحديث الصحيح وهو قوله : صدق الله كالصريح فيه والله تعالى أعلم


فصل
فى هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه
في الصحيحين عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة











المصدر :
كتاب زاد المعاد لابن القيم
عدد الاجزاء ٥ مجلدات