الأربعاء، 20 يناير 2016

شرح العلامة : عبد العزيز بن باز - رحمه الله - بصوت واضح وجودة عالية للصوت على كتاب المنتقى لجد شيخ الإسلام رحمهما الله (نصيحة أن تسمعها ياطالب العلم ففيها والله فوائد جمة قد يصعب عليك الإطلاع عليها في بطون الكتب فلا تفوتك)

شرح العلامة : عبد العزيز بن باز - رحمه الله - بصوت واضح وجودة عالية للصوت على كتاب المنتقى لجد شيخ الإسلام رحمهما الله (نصيحة أن تسمعها ياطالب العلم ففيها والله فوائد جمة قد يصعب عليك الإطلاع عليها في بطون الكتب فلا تفوتك)

الحلقة الأولى
 
الحلقة الثانية :
 
الحلقة الثالثة :
 
الحلقة رقم 4 :
 
الحلقة رقم 5 :
 
الحلقة رقم 6 :
 
الحلقة رقم 7 :
 
الحلقة رقم 8 :
 
الحلقة رقم 9 :
 
الحلقة رقم 10 :
 
الحلقة رقم 11 :
 
الحلقة رقم 12 :
 
الحلقة رقم 13 :
 
الحلقة رقم 14 :
 
الحلقة رقم 15 :
 
الحلقة رقم 16 :
 
الحلقة رقم 17 :
 
الحلقة رقم 18 :
 
الحلقة رقم 19 :
 
الحلقة رقم 20 :
 
الحلقة رقم 21 :
 
الحلقة رقم 22 :
 
الحلقة رقم 23 :
 
الحلقة رقم 24 :
 
الحلقة رقم 25 :
 
الحلقة رقم 26 :
 
الحلقة رقم 27 :
 
الحلقة رقم 28 :
 
الحلقة رقم 29 :
 
الحلقة رقم 30 :
 
الحلقة رقم 31 :
 
الحلقة رقم 32 :
 
الحلقة رقم 33 :
 
الحلقة رقم 34 :
 
الحلقة رقم 35 :
 
الحلقة رقم 36 :
 
الحلقة رقم 37 :
 
الحلقة رقم 38 :
 
الحلقة رقم 39 :
 
الحلقة رقم 40 :
 
الحلقة رقم 41 :
 
الحلقة رقم 42 :
 
الحلقة رقم 43 :
 
الحلقة رقم 44 :
 
الحلقة رقم 45 :
 
الحلقة رقم 46 :
 
الحلقة رقم 47 :
 
الحلقة رقم 48 :
 
الحلقة رقم 49 :


من جهاز الـ iPhone الخاص بي

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة قال ابن تيمية الوجه الثالث عشر أن أبا حامد في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة مع أنه قد توسع فيه في تأويلات المحرفين غاية التوسع

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
قال ابن تيمية
الوجه الثالث عشر
أن أبا حامد في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة مع أنه قد توسع فيه في تأويلات المحرفين غاية التوسع وذكر فيه من الأمور ما قد بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع جزم بكفر هؤلاء كما جزم به سائر علماء المسلمين كما جزم بكفرهم في التهافت وغيره ورد أيضا التأويلات التي ذكرها في مشكاة الأنوار وغيره فقال


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 333 ]  


فصل من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ينبغي أن يبادر إلى تكفيره في كل مقام بل ينظر فيه فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومهماتها فلا نكفره وذلك كقول بعض الصوفية إن المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس وقوله هذا ربي غير ظاهرها بل هي جواهر روحانية ملكية ونورانيتها عقلية لا حسية ولها درجات متقاربة في الكمال ونسبة ما بينها من التفاوت كنسبة الكواكب والقمر والشمس ويستدل عليه بأن الخليل عليه السلام أجل من أن يعتقد في جسم أنه إله حتى يحتاج إلى أن يشاهد أفوله افترى أنه لو لم يأفل أكان يتخذه إلها ولو لم يعرف استحالة الإلهية من حيث كونه جسما مقدرا واستدل بأنه كيف يمكن أن يكون أول ما رأى الكوكب والشمس هي الأظهر وهي أول ما تبدو واستدل بأن الله تعالى قال أولا وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ثم حكى هذا القول فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له وهذه دلالات ظنية وليست براهين قاطعة
أما قوله هو أجل من ذلك فقد قيل إنه كان صبيا لما جرى له ذلك ولا يبعد أن يخطر لمن سيكون نبيا في صباه مثل هذا الخاطر ثم يتجاوزه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 334 ]  


على قرب ولا يبعد أن تكون دلالة الأفول على الحدوث عنده أظهر من دلالة التقدر والجسمية وأما رؤية الكوكب أولا فقد روي أنه كان في صباه محبوسا في غار وإنما خرج بالليل
وأما قوله تعالى أولا وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض فيجوز أن يكون الله تعالى قد ذكر حال نهايته ثم رجع إلى حال بدايته فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشرطه فهذا جنس تأويلهم
وقد تأولوا في العصا والنعلين في قوله تعالى لموسى فاخلع نعليك وقوله تعالى وألق ما في يمينك ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الاعتقاد تجري مجرى البرهان في أصول الاعتقاد فلا يكفر فيه ولا يبدع نعم إن كان فتح هذا الباب يؤدي إلى تشويش قلوب العوام فيبدع فيه صاحبه في كل ما لم يؤثر عن السلف ذكره ويقرب منه قول بعض الباطنية أن عجل السامري مؤول إذ كيف يخلو خلق كثير عن عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون إلها وهذا أيضا ظن إذ لا يستحيل أن تنتهي طائفة من الناس إليه كعبدة الأوثان وكونه نادرا لا يورث يقينا
قال فأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 335 ]  


تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع كالذي ينكر حشر الأجساد وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع فيجب تكفيره قطعا إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد ورد ذلك عظيم الضرر في الدين فيجب تكفير كل من تعلق به وهو مذهب أكثر الفلاسفة
ويجب تكفير من قال منهم إن الله عز وجل لا يعلم إلا نفسه أو لا يعلم إلا الكليات فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها لأن ذلك تكذيب للرسول قطعا وليس من قبيل الدرجات التي ذكرناها في التأويل إذ أدلة القرآن والأخبار على تفهيم حشر الأجساد وتفهيم تعلق علم الله تعالى بكل ما يجري على الإنسان مجاوزة حدا لا يقبل التأويل وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل ولكن قالوا لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله تعالى عالم بما يجري عليهم ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة رعبة في قلوبهم جاز للرسول أن يفهمهم ذلك قالوا وليس بكاذب من أصلح غيره فقال ما فيه صلاحه وإن لم يكن كما قاله
وهذا القول باطل قطعا لأنه تصريح بالتكذب ثم طلب عذرا في أنه لم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 336 ]  


يكذب ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه الرذيلة ففي الصدق وإصلاح الخلق به مندوحة عن الكذب وهذه أول درجات الزندقة وهي رتبة بين الاعتزال وبين الزندقة المطلقة فإن المعتزلة تقرب مناهجهم من مناهج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد وهو من المعتزلي لا يجوز الكذب على رسول الله بمثل هذا العذر بل يؤول الظاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه والفلسفي لا تقتصر مجاوزته للظواهر على ما يقبل التأويل على قرب أو على بعد
وأما الزندقة المطلقة فهو أن ينكر أصل المعاد عقليا وحسيا وينكر الصانع للعالم أصلا ورأسا
وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء وظاهر ظني والعلم عند الله أن هؤلاء هم المرادون بقوله ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 337 ]  


وهي فرقة هذا لفظ الحديث في بعض الروايات ولفظ الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته إذ قال ستفترق أمتي ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع فليسوا معترفين بنبوته إذ يزعمون أن الموت عدم محض وأن العالم لم يزل كذلك موجودا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة فإذا لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه
قلت أما هذا الحديث فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ
بل الحديث الذي في كتب السنن والمساند عن النبي من وجوه أنه قال ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 338 ]  


وروي عنه أنه قال هي الجماعة
وفي حديث آخر هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي
وأيضا فلفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي كما لا يوجد في القرآن وهو لفظ أعجمي معرب أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعرب وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن وسواء كان في باطنه يهوديا أو نصرانيا أو مشركا أو وثنيا وسواء كان معطلا للصانع وللنبوة أو للنبوة فقط أو لنبوة نبينا فقط فهذا زنديق وهو منافق وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين ولهذا كان هؤلاء مع تظاهرهم بالإسلام قد يكونون أسوأ حالا من الكافر المظهر كفره من اليهود والنصارى مثلا كما قال تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 339 ]  


وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما
ومثل هؤلاء المنافقين كفار في الباطن باتفاق المسلمين وإن كانوا مظهرين للشهادتين والإقرار بما جاء به الرسول ومؤدين للواجبات الظاهرة فإن ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذ لم يكونوا مؤمنين بقلوبهم باتفاق أئمة المسلمين
وبهذا يظهر ضعف ما ذكره من أنه لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكره من الزندقة المقيدة التي هي مذهب الفلاسفة المشائين فإن الزندقة في هذه الأمة وغيرها باتفاق أئمة المسلمين أعم من هذا كما يذكره الفقهاء كلهم في باب توبة الزنديق وسائر أحكامه وإن لم يكن لفظ الزنديق واردا في الكتاب والسنة بل معناه عندهم المنافق وقد قال تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير
وقال تعالى يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 340 ]  


قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير
وقال تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم
وقال تعالى إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا
وفي القرآن من ذكر المنافقين في عامة السور المدنية كالبقرة والنساء والتوبة وغيرها ما لا يمكن استقصاؤه بل جميع من بلغته دعوة محمد فإنهم ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق هو كافر في الباطن مسلم في الظاهر وقد أنزل الله وصف الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة فأنزل أربع آيات في المؤمنين وآيتين في الكافرين وبضع عشرة آية في المنافقين فقال تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 341 ]  


يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون
وبالجملة فقد ذكر الله تعالى من أمور المنافقين في السور المدنية كما أومأنا إليه كسورة البقرة والنساء والتوبة والأحزاب والفتح وغيرها ما يطول ذكره وعامة ما يوجد النفاق في أهل البدع فإن الذي ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا وكذلك يقال عن الذي ابتدع التجهم وكذلك رؤوس القرامطة والخرمية وأمثالهم لا ريب أنهم من أعظم المنافقين وهؤلاء لا يتنازع المسلمون في كفرهم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 342 ]  


وأما تكفير من لم يكن منافقا فهذا فيه تفصيل قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين من قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر تاركها وبين المخطىء المجتهد في اتباع الرسول إذا اقتضى خطؤه نفى بعض ما أثبته أو إثبات بعض ما نفاه حتى نفس المقالة الواحدة يكفر بتكذيبها من قامت عليه الحجة دون من لم تقم كالذي قال إذا مت فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين
فإن الإيمان بقدرة الله على كل شيء ومعاد الأبدان من أصول الإيمان ومع هذا فهذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه وكان إيمانه بالقدرة والمعاد مجملا فظن أن تحريقه يمنع ذلك فعل ذلك ومعلوم أنه لو كان قد بلغه من العلم أن الله يعيده وإن حرق كما بلغه أنه يعيد الأبدان لم يفعل ذلك
وقد بسطنا الكلام في مقالات الناس في التكفير وبيان الصواب في غير هذا الموضع
والمقصود أن أبا حامد ذكر هنا أن هذه التأويلات التي أشار إليها في مشكاة الأنوار لم يقم دليل قاطع يقتضيها وتكلم في تبديع أهلها بما تقدم وذكر أن ما يتعلق بأصول العقائد فيجب تكفير من بغير الظاهر فيه بغير برهان قاطع وقطع بتكفير الفلاسفة كما تقدم كما قطع بتكفيرهم في تهافت الفلاسفة


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 343 ]  


وقال بعد ذلك في قانون التكفير
هو أن تعلم أن النظريات قسمان قسم يتعلق بأصول العقائد وقسم يتعلق بالفروع
وأصول الإيمان ثلاثة الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع قال واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة
إلى أن قال ومهما وجد التكذيب وجد التكفير ولو كان في الفروع فلو قال قائل مثلا البيت الذي بمكة ليس هي الكعبة التي أمر الله بحجها فهذا كفر إذ قد ثبت تواترا عن رسول الله خلافه ولو أنكر شهادة الرسول لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره بل يعلم قطعا أنه معاند في إنكاره إلا أن يكون قريب عهد من الإسلام ولم يتواتر عنده ذلك وكذلك من نسب عائشة رضي الله عنها وعن أبيها إلى الفاحشة وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر لأن هذا وأمثاله لا يمكن إنكاره إلا


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 344 ]  


بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر والمتواتر ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا عندي فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة مختلف فيه فهذا حكم الفروع
فأما الأصول الثلاثة وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض ومثاله ما ذكرناه من حشر الأجساد والجنة والنار وإحاطة علم الله تعالى بتفاصيل الأمور وما يتطرق إليه احتمال تأويل ولو بالمجاز البعيد فينظر فيه إلى البرهان فإن كان قطعيا وجب القول به لكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم فإظهار بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا وكان مع ذلك لا يعم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن الباري تعالى فهذه بدعة وليس بكفر
وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر وأن لا يكفر ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 345 ]  


بلغ حالة بينه وبين الله تعالى أسقطت عنه الصلاة وحل له شرب الخمر والمعاصي وأكل مال السلطان فهذا ممن لا أشك في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم ويفتح به باب من الإباحة لا يسد فضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمتنع من الإصغاء إليه لظهور كفره وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم الكتاب إذ خصص عموم آيات التكليفات لمن ليس له مثل درجته في الدين وربما يزعم أنه يلابس الدنيا ويفارق المعاصي بظاهره وهو بباطنه برىء عنها ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حاله وينحل به عصام الشرع ولاينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية فتارة يدرك بيقين وتارة يدرك بظن غالب وتارة يتردد فيه ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 346 ]  


ولا بد من التنبيه لقاعدة أخرى وهي أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلا عن اللسان لا على قرب ولا على بعد فذلك كفر وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول
مثاله ما رأيته في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها وعالم بمعنى أنه يعطي العلم ويخلقه لغيره وموجود بمعنى أنه يوجد غيره
فأما أن يكون في نفسه واحدا أو موجودا وعالما بمعنى اتصافه به فلا وهذا كفر صراح لأن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمى ثلاثا أو أربعا لأنه خلق الأعداد أيضا فأمثلة هذه المقالات تكذيبات إن عبر عنها بالتأويلات
ثم قال فصل
قد تكلمت في هذه التقسيمات أن النظر في التكفير يتعلق


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 347 ]  


بأمور أحدها أن النص الشرعي إذا عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا وإذا احتمل التأويل فهو قريب أو بعيد
الثاني في النص المتروك أنه لو ثبت تواترا أو آحادا أو ثبت بالإجماع المجرد
الثالث في أن صاحب المقالة هل تواتر عنده الخبر أو بلغه الإجماع إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف
الرابع النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرط البرهان أم لا
الخامس في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا
قلت ليس المقصود هنا تعقب كلامه في التكفير فإن هذه مسألة كبيرة وفيها اضطراب عظيم لا يحتمله هذا الموضع وإنما المقصود الكلام


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 348 ]  


على تصويب التأويل وتخطئته والقطع بذلك فإنه قد ذكر أن من النصوص ما لا يحتمل التأويل وجعل أمثال تلك التأويلات تكذيبات ومن تدبر هذا وجد جمهور ما تذكره الفلاسفة بل والمعتزلة في التأويل هو من هذا الباب ولا ريب أن المعتزلة أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة ومن أشهر مسائلهم التي امتحنوا الناس عليها قولهم إن القرآن مخلوق وقالوا معنى أن الله متكلم وأنه تكلم أنه خلق في غيره كلاما
وقد قال هنا أن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ولو كان خالق الوحدة واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق الأعداد أيضا
ومثل هذا يقال في الكلام والإرادة والرضا والغضب وأشباه ذلك مما تقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه خلقه في غيره فتسمى واتصف به فإن حمل المتكلم على الذي أوجد الكلام في غيره بمنزلة حمل العالم والقادر والسميع والبصير على الذي أوجد العلم والقدرة والسمع والبصر في غيره ولو كان متكلما بما يخلقه في غيره لكان ما تنطق به


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 349 ]  


الأيدي والجلود التي قالت أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء متكلما به وكان ذلك كلام الله ولم يكن فرق بين أن يقول هو وبين أن ينطق غيره ثم إنه إذا قام الدليل على أنه خالق أفعال العباد لزم أن يكون هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام كما قاله بعض الاتحادية
... وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه ...
وحينئذ لا فرق بين قول فرعون أنا ربكم الأعلى و ما علمت لكم من إله غيري وبين القول الذي يسمعه موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري
وهكذا تصرح به هؤلاء الجهمية الإتحادية كما وجدته في كتبهم وكما شافهني بذلك حذاقهم ومحققوهم وشيوخهم
ويقولون إنه هو المتكلم على لسان كل قائل لا يكتفون بأن يكون هو الذي أنطق كل شيء كما يقول المسلمون
بل يقولون إنه الناطق في كل شيء فلا يتكلم إلا هو ولا يسمع إلا هو حتى قول مسيلمة الكذاب والدجال وفرعون يصرحون بأن أقوالهم هي قوله وخاطبت بذلك بعضهم فذكرت له الدجال فقال يكون الدجال مستثنى من ذلك الشرع
فقلت له هذا لا يمكن على أصلكم في الوحدة فتحير وبقي في حيرة


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 350 ]  


ومن أصولهم الجمع بين النقيضين والضدين
وقول هؤلاء هو في الحقيقة قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة لكن أولئك ظهر عنهم أنهم قالوا إن الله بذاته في كل مكان وكل من القائلين للقولين قد يقول مقالة الآخر كما بينته في غير هذا الموضع
فإن هؤلاء يقولون بالمظاهر وإنه ظهر في الأشياء
فقلت لبعضهم فالمظاهر وجود أو عدم
قال وجود
قلت فهي غيره أم لا فإن قلتم غيره فقد قلتم بموجودين وإن قلتم لا بطل ما قررتموه فتحير
ولهذا لما فهم السلف حقيقة قول هؤلاء كفروهم كما قال عبد الله بن المبارك ما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال قال وقال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك يقول من قال إنني إنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 351 ]  


قال وقال ابن المبارك لا نقل كما قالت الجهمية انه في الأرض هاهنا بل على العرش استوى
وقيل له كيف نعرف ربنا فقال فوق سماواته على عرشه وقال لرجل منهم أبطنك خال منه فبهت الآخر
وقال من قال لا إله إلا هو مخلوق فهو كافر وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية قال البخاري وقال علي بن عاصم ما الذين قالوا إن لله ولدا أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم
قال البخاري وقال أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد وذكر له


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 352 ]  


أن قوما يقولون القرآن مخلوق قال فقال كيف يصنعون بقوله قل هو الله أحد كيف يصنعون بقوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا
قال وقال سليمان بن داود الهاشمي من قال القرآن مخلوق فهو كافر وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال أنا ربكم الأعلى حيث زعموا أن هذا مخلوق
والذي قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسبه وأعجبه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 353 ]  


قلت المقصود التنبيه على أن السلف فهموا حقيقة قول هؤلاء الجهمية الذي هو حقيقة قول القرامطة ومن وافقوه من الفلاسفة فإنهم ينفون الصفات وهم في الحقيقة ينفون الأسماء أيضا لكن يحتاجون إلى إطلاقها في الظاهر لأجل تظاهرهم بالإسلام ويتأولونها على أنه خلق معانيها في غيره وهذه هي القاعدة المعروفة وهو أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره ووجب أن يشتق لذلك المحل من لفظها اسم ولا يشتق لغيره الاسم والمعتزلة تنازع أهل الإثبات في بعضها كما تنازعهم القرامطة في بعضها وطرد ذلك في أسماء الأفعال كالعادل ونحوه فإن المفهوم من مذهب الفقهاء وأصحاب الأئمة الأربعة وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام طرد ذلك ومن لم يطرده انتقضت حجته ولا فرق في ذلك بين نوع ونوع في الحقيقة ولكن من المذاهب ما قل قائله وخفي وظهر مخالفته لما استقر في قلوب المسلمين ومنها ما كثر قائله وبقي نفور القلب عن ذلك القول ومفتتحه أعظم ولو فرض أن شخصا مؤمنا باطنا وظاهرا ولكن جهل وضل في صفة القدرة أو العلم حتى ظن أن القدرة تقوم بغيره والعلم بغيره كما هو قول الباطنية لكان حاله كحال من هو مؤمن باطنا وظاهرا وقد جهل وضل حتى اعتقد أن الكلام لا تقوم به بل بغيره وكثير من أهل المقالات قد أخرج بعض الموجودات عن قدرته ومنع قدرته عن أشياء كحال الذي قال لولده ما قال فهذه المقالات هي كفر لكن ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها وإن أطلق القول بتكفير من يقول ذلك فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد مع أن ثبوت حكم الوعيد في حق الشخص المعين موقوف


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 354 ]  


على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه ولهذا أطلق الأئمة القول بالتكفير مع أنهم لم يحكموا في عين كل قائل بحكم الكفار بل الذين استمحنوهم وأمروهم بالقول بخلق القرآن وعاقبوا من لم يقل بذلك إما بالحبس والضرب والإخافة وقطع الرزق بل بالتكفير أيضا لم يكفروا كل واحد منهم وأشهر الأئمة بذلك الإمام أحمد وكلامه في تكفير الجهمية مع معامتله مع الذين امتحنوه وحبسوه وضربوه مشهور معروف
وإنما القصد هنا التنبيه على أن عامة هذه التأويلات مقطوع ببطلانه وأن الذي يتأوله أو يسوغ تأويله فقد يقع بالخطأ في نظيره أو فيه بل قد يكفر من يتأوله ونحن قد بسطنا الكلام في هذه الأبواب في غير هذا الموضع وإنما الغرض في هذا الجواب التنبيه على مخالفة أقوال هؤلاء المتفلسفة لدين الإسلام وأن أقوالهم هذه التي أدخلها من أدخلها من المتكلمة والمتصوفة في دين الإسلام ليست موافقة لأقوال الرسل بل نقطع بمخالفتها وأنا أنبه على نكت فيما ذكره
الوجه الرابع عشر
إن ما ذكره في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام من أنه أراد بالكوكب القمر







بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
المؤلف : ابن تيمية
عدد المجلدات : ١

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة قال ابن تيمية الوجه الثاني عشر قوله وإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير يتضمن أصلين فاسدين ليسا من أصول المسلمين بل من أصول الفلاسفة الضالة وهي أن ما يخبر به نبينا ص وغيره من

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
قال ابن تيمية
الوجه الثاني عشر
قوله وإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير يتضمن أصلين فاسدين ليسا من أصول المسلمين بل من أصول الفلاسفة الضالة وهي أن ما يخبر به نبينا ص وغيره من الأنبياء من أمور الغيب إنما هو من جنس المنامات التي يراها الناس فإن النائم تضرب له الأمثال في منامه بنوع يشابه تأويل الرؤيا ولهذا كان مدار تأويل الرؤيا على معرفة القياس والاعتبار والرؤيا الصادقة وإن كانت جزأ من ستة وأربعين جزءا من أجزا النبوة وفي الصحيحين كان أول ما بدىء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح فرؤيا الأنبياء كمال قال ابن عباس وحي


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 317 ]  


وقد لا تحتاج إلى تعبير كما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده فأصبح يريد أن يذبحه حتى فداه الله وهذا قول المسلمين واليهود والنصارى خلاف ما يزعمه بعض الملاحدة كصاحب الفصوص من أن رؤياه كان تعبيرها ذبح الكبش وأن إبراهيم غلط في ذلك فلم يعرف تعبير الرؤيا حتى فداه ربه من وهم إبراهيم ما هو فداء في نفس الأمر وأنه قال إن هذا لهو البلاء المبين
أي الاختيار المبين أي الظاهر يعني الإختبار في العلم هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير
قال فغفل إبراهيم فما وفى الموطن حقه
ومعلوم عند كل مسلم أن هذا ليس من أقوال من يؤمن بالرسل ويقدر قدرهم لا سيما إبراهيم الخليل خير البرية بعد محمد كما ثبت ذلك في


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 318 ]  


الحديث الصحيح أنه خير البرية ورواه مسلم في صحيحه وهو الأمة أي القدوة لجميع المؤمنين بعده
وهو الذي جعله للناس إماما واتخذه خليلا
وقد قال ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا
بل من رؤيا المؤمنين ما يكون مطابقا للظاهر لا يحتاج إلى تأويل فإذا كان في رؤيا المؤمنين والأنبياء ما لا يحتاج إلى تعبير بل يكون المرئي في المنام هو الموجود في اليقظة فكيف يكون القرآن كلام الله الذي أنزله بلسان عربي مبين وجعل هدى وبيانا مشتملا على ما هو من جنس أحاديث الرؤيا المفتقرة إلى التعبير ثم كيف يكون ذلك والرسول ثم الصحابة والتابعون لم يتأولوا القرآن ولم يعبروه بما يخالف مقتضاه ودلالته كما كانوا كثيرا ما يعبرون الرؤيا بما يخالف الظاهر المعروف منها والحقائق المخبر بها الظاهرة المعروفة في القرآن من أمر اليوم الآخر ونعوت الربوبية وإن كانت ليست مماثلة في الحقيقة الحقائق الموجودة في الدنيا كما قال ابن عباس ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء رويناه من حديث وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 319 ]  


فذلك لايقتضي أن لا يكون الكلام دل عليها بطريق الحقيقة بل لا يمنع أن تكون هي الأسماء المذكورة في القرآن أحق من مسميات الدنيا حتى يقال إن دلالتها على مدلولها لا حقيقة له إلا ما يدل عليه بطريق التعبير كالرؤيا إذ من المعلوم أن ما رآه يوسف من سجود القمرين والكواكب ورؤيا الملك من البقر والسنبل لم يكن موجودا في الخارج وإنما هو في نفسه ومدلوله في الخارج سجود أبويه وإخوته وسنين الخصب والجدب فهل يقول من يؤمن بالله ورسله أن ما أخبر به الرسول من صفات ربه وصفات الملائكة واليوم الآخر وغير ذلك إنما هي أمور ذهنية لا وجود لها في الخارج بل لها تعبير كالرؤيا
وهل هذا إلا نسبة الرسل إلى الكذب الصريح فإن الخبر الذي يقوله الرائي لو أطلقه ولم يقل في المنام وأراد به تأويل الرؤيا لكان كاذبا باتفاق العقلاء
فلو قال مخبرا سجد لي الشمس والقمر والكواكب ولم يقل في المنام أو قال رأيت سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ولم


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 320 ]  


يقل في المنام لكان كاذبا وكذبه جميع الناس إذ اللفظ لا يدل على ذلك لا حقيقة ولا مجازا ولو كان مجازا لم يجز ذكره إلا بقرينة تبين المراد
وإذا قال رأيت هذا في المنام كان مصدقا في أنه رأى في المنام كذلك وإن لم يكن تأويله في اليقظة كذلك لعلم الناس أن ما يرى في المنام لا يجب أن يكون هو التأويل في اليقظة بل يكون مشابها له من بعض الوجوه ولم يقل أحد من الأمم أن مجرد المشابهة التي بين المرئي في المنام وبين تأويل الرؤيا يكفي في استعمال اللفظ على وجه الاستعارة بل لو تخاطب الناس بمثل هذا لم يفهم أحد ما أراد غيره وللاستعارة والتشبيه حدود معروفة في الخطاب
وأما الرؤيا وتأويلها فباب لا ينضبط له حد وقد يكون تأويلها لا يشبهها إلا بوجه بعيد لا يهتدي له إلا حذاق المعبرين
ولا ريب أن هذا الذي ذكره هو من أصول الفلاسفة القرامطة الباطنية في ردهم ما أخبر به الرسول من المعاد وغيره إلى أمثال مضروبة لكن أهل الملل يعلمون بالاضطرار أن هذا باطل وأن هذا نسبة للأنبياء إلى الكذب الصريح ويعلمون بالاضطرار أن الرسل لم تقصد مجرد ما يذكرونه ثم من المعلوم أن الرؤيا إن لم يعلم تعبيرها لم يكن فيها فائدة بل قد يضل الرائي إذا حملها على ظاهرها فإذا كان القرآن ونحوه كذلك لا بد له من مثل هذا التعبير وهو التأويل عند هؤلاء القرامطة فأحق الناس بمعرفة ذلك الصحابة ولا بد أن يبينه الرسول ولو لخواصهم بل يجب أن يبين أيضا لعوامهم وإلا كان ذلك إضلالا لهم ودعاء لهم إلى العقائد الفاسدة


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 321 ]  


ومن المعلوم بالتواتر علما ضروريا لمن له خبرة متوسطة بأحوال الصحابة أنهم كانوا أعظم الخلق منافاة لمثل هذه التحريفات التي يسمونها التعبير والتأويل خاصتهم وعامتهم وأن جميع ما ينقل عنهم مما يخالف الظاهر المعروف فهو كذب مفترى مثل ما يزعم أهل البطاقة والجفر ونحو ذلك مما يدعونه من العلوم الباطنة المنقولة عن علي كرم الله وجهه وأهل البيت رضي الله عنهم وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن علي رضي الله عنه المتلقاة بالقبول ما يكذب ذلك كقوله لما قيل له هل عهد


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 322 ]  


إليكم رسول الله عهدا لم يعهده إلى الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة فكان فيها العقل يعني عقل القتيل وهو أسنان الديات وفيها افتكاك الأسير وفيها لا يقتل مسلم بكافر
وكذلك في الصحيح عنه أنه قال ما عندنا من رسول الله كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة وفيها المدينة حرام ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ونحو ما تقدم ومثل هذا عن علي رضي الله عنه كثير
وكذلك ما يذكره بعض الناس عن عمر أنه قال كان النبي وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما
فإن هذا كذب باتفاق أهل المعرفة لم يروه أحد منهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا يذكره إلا من هو من أجهل خلق الله بأحوال الصحابة رضي الله عنهم وإن كان فيمن يذكره من ينتسب إلى التحقيق والتوحيد والعرفان
وأما حديث أبي هريرة حفظت عن رسول الله جرابين


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 323 ]  


أما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم فهذا صحيح لكن الذي كان في الجراب الآخر إنما هو الإخبار عن الفتن التي تكون في الأمة كما قال ابن عمر لو حدثكم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم وتخربون بيت ربكم وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة
ولم يكن في الجراب باتفاق العلماء ما يدعيه هؤلاء ولا كان أبو هريرة عندهم من الخواص الذي ينفرد بعلم أسرارهم وحقائقهم وإنما الذي يذكر عنه أنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره فهو حذيفة وكان ذلك السر معرفته بأعيان المنافقين وكان أحفظهم لأحاديث الفتن لا لأنه خص بعلمها بل لأنه اعتنى بها كما ثبت ذلك عنه


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 324 ]  


ثم كيف يصح أن يكون القرآن بمنزلة أحاديث الرؤيا هذا والقرآن موصوف بأنه هدى وبيان للناس وأن على الرسول البلاغ المبين وأي بيان أو بلاغ مبين فيما هو من جنس الرؤيا التي لها تعبير ولم يخبر بتعبيرها ومن المعلوم أن هذه الأحاديث النبوية المتواترة وآثار الصحابة والتابعين كلها توافق ما يفهم من القرآن وتمنع أن يكون المراد ما يراد بالرؤيا من التعبير ثم هل يقول مؤمن عاقل إن الشمس والقمر والنجوم في قوله والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره تأويلها من جنس تأويل قول يوسف رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين وأن السنبل في قوله مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل من جنس السنبلة في قول الملك سبع سنبلات خضر
وأن البقرة في قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وقوله ومن البقر اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين كالبقر في قول الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وأن المراد بالخمر في قوله إنما الخمر والميسر كالمراد بالخمر في قول أحد صاحبي السجن إني أراني أعصر خمرا وأمثال ذلك
ولكن من زعم أن ما رآه الخليل من الكواكب والشمس هي إشارة


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 325 ]  


إلى أمور من هذا الجنس كالنفس والعقل لم ينكر أن يقول ما يتشأبه هذا ومن طرد هذا القياس جعل المراد بالصلاة معرفة أسرارهم والمراد بالصوم كتمان أسرارهم والمراد بالحج قصد شيوخهم المقدسين ويدي أبي لهب أبو بكر وعمر واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين و علمت نفس ما قدمت وأخرت علم جبرائيل بتقديم محمد وتأخير علي وأئمة الكفر طلحة والزبير و لئن أشركت ليحبطن عملك لئن أشركت بين أبي بكر وعلي في الولاية ونحو ذلك من تأويلات القرامطة فإنهم أئمة هذا الباب الذي كانوا به أضل الناس عن سواء السبيل وهو في الأصل إنما صدر عن زنادقة منافقين أرادوا التلبيس به على جهال المسلمين في الظاهر وخالفوهم في الباطن وإذا لقوا الذين آمنوا


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 326 ]  


قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون
وذكر مثل هذا طويل ليس هذا موضع استقصائه
الأصل الثاني من الأصلين الفاسدين كون روح العبد تطالع اللوح المحفوظ فإن هذا هو قول هؤلاء من المتفلسفة القرامطة أن اللوح المحفوظ وهو العقل الفعال أو النفس الكلية وذلك ملك من الملائكة وأن حوادث الوجود منتقشة فيه فإذا اتصلت به النفس الناطقة فاضت عليها
وكل من علم ما جاء به الرسول يعلم بالاضطرار أن مراده باللوح المحفوظ ليس هو هذا ولا اللوح المحفوظ ملك من الملائكة باتفاق المسلمين بل قد أخبر أنه قرآن مجيد في لوح محفوظ وقال إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون كما قال في الآية الأخرى فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة
وقال وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم وقال وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وقال ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وقال وما من دابة في الأرض ولا


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 327 ]  


طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء على أصح القولين وقال تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض أن ذلك في كتاب أن ذلك على الله يسير وقال وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير
ولم يقل أحد من علماء المسلمين أن أرواح كل من رأى مناما تطلع على اللوح المحفوظ بل قد جاء في الحديث أنه لاينظر فيه غير الله عز وجل في حديث أبي الدرداء
ثم اللوح المحفوظ فوق السماوات والنفس والعقل اللذان يذكرونهما متصلان بفلك القمر دون ما فوقهما من العقول والنفوس
وقوله إن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم تسند التفسير للصحابة فإن التقليد غالب عليك
يقال له إنما لم أحتمل هذا النمط لأني أعلم بالاضطرار أنه باطل وأن الله لم يرده فردي للقرمطة في السمعيات كردي للسفسطة في العقليات وذلك كردي لكل قول أعلم بالاضطرار أنه كذب وباطل ولو نقل مثل هذا النمط عن أحد من الصحابة والتابعين لعلمت أنه كذب عليهم ولهذا تجد القرامطة ينقلون هذا عن علي عليه السلام ويدعون أن هذا العلم الباطن


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 328 ]  


المخالف لما علم من الظاهر مأخوذ عنه ثم لم يستفيدوا بهذا النقل عن علي عليه السلام عند المسلمين إلا زيادة كذب وخزي فإن المسلمين يعلمون بالإضطرار أن عليا لا يقول مثل هذا وأهل العلم منهم قد علموا بالنقول الصحيحة الثابتة عن علي ما يبين كذب هذا ويبين أن من ادعى على علي أنه كان عنده عن النبي علم خصه به فقد كذب كما هو مبسوط في غير هذا الموضع
وقد دخل كثير من هذه القرمطة في كلام كثير من المتصوفة كما دخل في كلام المتكلمة وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب حقائق التفسير قطعة من هذا الجنس عن جعفر الصادق رضي الله عنه
وأهل العلم بجعفر وأحوال يعلمون قطعا أن ذلك مكذوب على جعفر كما كذب عليه الناقلون عنه الجدول في الهلال وكتاب الجفر والبطاقة والهفت واختلاج الأعضاء والرعود والبروق ونحو ذلك مما هو من كلام أهل النجوم والفلسفة ينقلونه عن جعفر وأهل العلم بحاله يعلمون


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 329 ]  


أن هذا كله كذب عليه بل أعجب من ذلك ظن طوائف أن كتاب رسائل إخوان الصفا هو عن جعفر الصادق وهذا الكتاب هو أصل مذهب القرامطة الفلاسفة فينسبون ذلك إليه ليجعلوا ذلك ميراثا عن أهل البيت وهذا من أقبح الكذب وأوضحه فإنه لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنما صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبا من بناء القاهرة
وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة من كلام أبي الفرج بن طراز مع بعض واضعيها ومناظرته لهم ومن كلام أبي


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 330 ]  


سليمان المنطقي فيهم وغير ذلك ما يتبين به بعض الحال وفيها نفسها بيان أنها صنفت بعد أن استولى النصارى على سواحل الشام ومن المعلوم بالتواتر أن استيلائهم على سواحل الشام كان بعد المائة الثالثة وجعفر رضي الله عنه توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل وضع هذه الرسائل بنحو مائتي سنة فهذا وأمثاله يبين أن نقل مثل هذه التحريفات التي قد سماها تأويلا وتعبيرا عن الصحابة وأهل البيت والمشايخ لا يزيدها عند أهل العلم والإيمان إلا علما بكذب منتحليها وعلما بجهلهم وضلالهم فلا يظن أن مجرد النقل والرواية ينفق الباطل عند أهل العلم والإيمان كما قد ينفق عليه وعلى أمثاله من النقول الباطلة ما لا يعلمه إلا الله لقلة علمهم بالحديث والآثار وأحوال السلف وعلومهم كما ينفق عليهم من المقولات الفاسدة ما لا يعلمه إلا الله تعالى فإن أهل العلم والإيمان مؤيدون بصحيح المنقول وصريح المعقول
وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين فذلك إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم فإن الرجل لو صنف


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 331 ]  


كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك وحفظه تلامذته لكان يعلم بالإضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده وإن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب فكيف بكتاب الله الذي أمر ببيانه لهم وهو عصمتهم وهداهم وبه فرق الله بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه والعمل بما فيه وهم يتلقونه شيئا بعد شيء كما قال تعالى وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا الآية وقال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا
وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول ولا يسألونه عن ذلك ولا يبتدىء هو بيانه لهم هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله
ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن أو أنه بينها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بين لهم النص على علي وشيئا آخر من الشرائع والواجبات وأنهم كتموا ذلك أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنا يخالف الظاهر كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهو نظير قولهم أن أبا بكر وعمر كانا منافقين


 بغية المرتاد    [ جزء 1 - صفحة 332 ]  


قصدهما إهلاك الرسول وأن أبا لهب أقامهما لذلك وأنهما يدا أبي لهب وهو المراد في زعمهم بقوله تبت يدا أبي لهب وتب وقولهم إن الإشراك الذي قال الله لئن أشركت ليحبطن عملك هو إشراك أبي بكر وعلي في الولاية وأن الله أمره بإخلاص الولاية لعلي دون أبي بكر وقال لئن أشركت بينهما ليحبطن عملك ونحو ذلك من تفسير القرامطة
فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن وهم مخطئون وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا
الوجه الثالث عشر
أن أبا حامد في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة مع أنه قد توسع فيه في تأويلات المحرفين غاية التوسع وذك







بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة
المؤلف : ابن تيمية
عدد المجلدات : ١

السنة العاشرة: ثم قال ابن إسحاق: ولما فتح الله على نبيه مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. وإنما كان العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس.

كتاب سير اعلام النبلاء
قال الامام الذهبي :
السنة العاشرة:
ثم قال ابن إسحاق: ولما فتح الله على نبيه مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. وإنما كان العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس.
قال: فقدم عطارد بن حاجب في وفد عظيم من بني تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، ومعهم عيينة بن حصن. فلما دخلوا المسجد، نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجرات: اخرج إلينا يا محمد. وآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: "قد أذنت لخطيبكم، فليقم". فقام عطارد، فقال:
الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإن لو نشأ لأكثرنا الكلام، ولكن نستحيي من الإكثار. أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا.
ثم جلس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس الخزرجي: "قم فأجبه". فقام، فقال:
الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله. ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا؛ أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير العالمين فعالا، ثم كان أول الخلق استجابة إذ دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن الأنصار، أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله. فمن آمن منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
فقام الزبرقان بن بدر، فقال:
(2/182)

نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب، وفضل العز يتبع
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع1
بما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويا ثم نصطنع
في أبيات.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قم يا حسان، فأجبه". فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخواتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم، شرها البدع
في أبيات.
فقال الأقرع بن حابس: وأبي، إن هذا الرجل لمؤتى له. إن خطيبه أفصح من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا.
قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وأحسن النبي صلى الله عليه وسلم جوائزهم. وفيهم نزلت: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] .
وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمر بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن هذا الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه. قال: وأراه قال قد عرف قيسا. فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال. فقال عمرو: ما علمتك إلا زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله، قد صدقت فيهما جميعا؛ أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم، وأسخطني فقلت بأسوأ ما فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان سحرا".
__________
1القزع: السحاب المتفرق واحدتها قزعة.
(2/183)

وقد روى نحوه علي بن حرب الطائي، عن أبي سعد الهيثم بن محفوظ، عن أبي المقوم الأنصاري يحيى بن يزيد، عن الحكم بن عتيبتة، عن مقسم، عن ابن عباس؛ متصلا.
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: حدثنا أبو بكر بن ثمامة بن النعمان الراسبي، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت سيدنا وذو الطول علينا. فقال: "مه مه، قولوا بقولكم ولا يستجرئنكم الشيطان، السيد الله، السيد الله".
وقال الزبير بن بكار: حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤملة، عن أبيها، عن جدها مؤملة بن جميل، قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عامر، أسلم. قال: أسلم على أن الوبر لي ولك المدر. قال: يا عمر أسلم. فأعاد قوله. قال: لا. فولى وهو يقول: يا محمد، لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفني عامرا واهد قومه". فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة يقال لها: سلولية، فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وجعل يجول، ويقول: غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية. فلم تزل تلك حاله حتى سقط ميتا.
وقال ابن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر، فيهم: عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يغدر به. فقال له قومه: إن الناس قد أسلموا. فقال: قد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد: إذا قدمنا عليه فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر: يا محمد، خلني. فقال: "لا والله، حتى تؤمن بالله وحده"، فقال: "والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا". فلما ولى قال: "اللهم اكفني عامرا". ثم قال لأربد: أين ما أمرتك به؟ قال: لا أبا لك، والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ فبعث الله ببعض الطريق على عامر الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من سلول. وأما الآخر فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة أحرقتهما.
وقال همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني أنس، قال: كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال؛ يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء.
قال: فطعن في بيت امرأة، فقال: غدوة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي, فركب فمات على ظهر فرسه. أخرجه البخاري1.
__________
1 صحيح: أخرجه البخاري "4091" حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، به.
(2/184)

وافد بني سعد:
قال ابن إسحاق، عن محمد بن الوليد، عن كريب، عن ابن عباس: بعثت بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،...





المصدر :   

 
الكتاب: سير أعلام النبلاء
المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
الناشر: دار الحديث- القاهرة
الطبعة: 1427هـ-2006م
عدد الأجزاء: 18
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

من كتب المكتبة الشاملة