كتاب صفة الصفوة :
قال ابن الجوزي :
ذكر زهده:
عن علي بن ربيعة عن علي بن أبي طالب قال جاءه ابن التياح فقال يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء فقال الله اكبر ثم قام متوكئا على ابن التياح حتى قام على بيت المال فقال:
هذا جناي وخياره فيه ... وكل جان يده إلى فيه
يا ابن التياح علي بأشياخ الكوفة قال فنودي في الناس فأعطى جميع ما في بيت المال وهو يقول يا صفراء يا بيضاء غري غيري ها وها حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين واه أحمد1.
وعن أبي صالح قال قال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن ضمرة صف لي عليا فقال أو تعفيني؟ قال بل صفه قال أو تعفيني؟ قال لا أعفيك قال أما إذا فانه والله كان بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وينطق بالحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة بقلب كفه ويخاطب بفسه يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتديه لعظمه فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا يياس الضعيف من عدله واشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه وغارب نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وكأني اسمعه وهو يقول يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم لي تشوفت؟ هيهات هيهات غري غيري قد بتتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
قال فذرفت دموع معاوية رضي الله عنه حتى خرت على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء ثم قال معاوية رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك
__________
1 أخرجه أحمد في المسند وأبو نعيم في حلية الاولياء 1/122. رقم 244.
(1/118)
فكيف حزنك عليه يا ضرار قال حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقا عبرتها ولا يسكن حزنها1.
وعن هارون بن عنترة عن أبيه قال دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفه فقلت يا أمير المؤمنين أن الله تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيبا وأنت تصنع بنفسك ما تصنع فقال وأما ما أرزؤكم من مالكم شيئا وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي أو قال من المدينة.
وعن أبي مطرف قال رأيت عليا عليه السلام مؤتزرا بازار مرتديا برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي يدور حتى بلغ سوق الكرابيس فقال يا شيخ احسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم فلما عرفه لم يشتر منه شيئا فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ثم جاء أبو الغلام فأخبره فأخذ أبوه درهما ثم جاء به فقال هذا الدرهم يا أمير المؤمنين قال ما شان هذا الدرهم قال كان قميصنا ثمن درهمين قال باعني رضاي وأخذ رضاه.
وعن عمر وبن قيس أن عليا عليه السلام رئي عليه أزار مرقوع فعوتب في لبوسه فقال يقتدي بي المؤمن ويخشع له القلب.
وعن أبي النوار قال رأيت عليا اشترى ثوبين غليظين خير قنبرا أحدهما.
وعن فضيل بن مسلم عن أبيه أن عليا اشترى قميصا ثم قال اقطعه لي من ها هنا مع أطراف الأصابع وفي رواية أخرى أنه لبسه فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه فأمر به فقطع ما فضل عن أطراف الأصابع.
وعن علي بن الأقمر عن أبيه قال رأيت عليا عليه السلام وهو يبيع سيفا له في السوق ويقول من يشتري مني هذا السيف؟ فوالذي فلق الحبة لطال ما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان عندي ثمن أزار ما بعته.
ذكر ورعه:
عن رجل من ثقيف أن عليا عليه السلام استعمله على عكبر قال قال لي إذا كان عند الظهر فرح إلي فرحت إليه فلم أجده عنده حاجبا يحبسني دونه فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز من ماء فدعا بظبية فقلت في نفسي لقد أمنني حين يخرج إلي جوهرا ولا ادري ما فيها فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم فإذا فيها سويق فاخرج منها فصب في القدح وصب
__________
1 أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/126. رقم 261.
(1/119)
عليه ماء فشرب وسقاني فلم اصبر فقلت يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك قال أما والله ما اختم عليه بخلا عليه ولكني ابتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره وإنما حفظي لذلك واكره أن ادخل بطني إلا طيبا.
وعن عمرو بن يحيى عن أبيه قال اهدي إلى علي بن أبي طالب ازقاق سمن وعسل فراها قد نقصت فسال فقيل بعثت أم كلثوم فأخذت منه فبعث إلى المقومين فقوموه خمسة دراهم فبعث إلى أم كلثوم ابعثي إلي بخمسة دراهم.
وعن مجاهد قال قال علي عليه السلام جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا فخرجت اطلب العمل في عوالي المدينة فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يدي ثم أتيت الماء فأصبت منه ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا بين يديها وبسط إسماعيل يديه وجمعهما فعدت لي ست عشرة تمرة فأتيت النبي. صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأكل معي منها.
كلمات منتخبة من كلامه ومواعظه عليه السلام:
عن عبد خير عن علي عليه السلام
الكتاب: صفة الصفوة
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)
المحقق: أحمد بن علي
الناشر: دار الحديث، القاهرة، مصر
الطبعة: 1421هـ/2000م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق