كتاب النبوات،
قال ابن تيمية :
فصل ومما يبين ضعف طريقة هؤلاء أنهم قالوا المعجزات لا تدل بجنسها على النبوة بل يوجد مثل المعجز من كل وجه ولا يدل على النبوة كأشراط الساعة وكما يوجد للسحرة والكهان والصالحين من الخوارق التي تماثل آيات الانبياء فيما زعمه هؤلاء قالوا لكن الفرق أن هذا يدعي النبوة ويحتج بها ويتحداهم بالمثل فلا يقدر أحد على معارضته وأولئك لو ادعوا النبوة لمنعهم الله منها وان كانوا قبل ذلك غير ممنوعين منها أو لقيض لهم من يعارضهم ولو عارضوا بها نبيا لمنعهم الله إياها ليسلم دليل النبوة قالوا والمعجز انما يدل دلالة وضعية بالجعل والقصد كدلالة الألفاظ
النبوات [ جزء 1 - صفحة 128 ]
والعقد والخط والعلامات التي يجعلها الناس بينهم فيقال لهم هذه الأمور كلها انما تدل إذا تقدم علم المدلول بها أن الدال جعلها علامة كما يوكل الرجل وكيلا ويجعل بينه وبينه علامة إما وضع يده على ترقوته وإما وضع خنصره وإما وضع يده على رأسه فمن جاء بهذه العلامة علم أن موكله أرسله فأما إذا لم يتقدم ذلك لم تكن دلالة جعلية وضعية اصطلاحية وآيات الانبياء لما لم تتقدم قبلها من الرب مواضعة بينه وبين العباد قالوا هي تشبه ما إذا قال الرجل لموكله والرسول لمرسله انك أرسلتني الى هؤلاء القوم فان كنت أرسلتني فقم واقعد ليعلموا انك أرسلتني فاذا قام وقعد عقب طلب الرسول علم الحاضرون أنه قام وقعد ليعلمهم أنه رسوله وان كان بدون طلبه قد يقوم ويقعد لأمور أخرى فيقال لهم هنا لما علم الحاضرون انتفاء داع يدعوه إلا قصد التصديق علموا أنه قصد تصديقه ولهذا لو جوزوا قيامه لحاجة عرضت أو لحية أو عقرب وقعت في ثيابه أو لغير ذلك لم يجعلوا ذلك دليلا والسبر والتقسيم مما يعلم به الدليل وان لم يقصده الدليل حتى أن الرجل المشهور إذا خرج في غير وقت خروجه المعتاد فقد يعرف كثير من الناس لاي شيء خرج لعلمهم بانتفاء غيره وأن خروجه له مناسب وان لم يكن هنا أحد طلب الاستدلال فخروج الانسان عن عادته قد يكون لاسباب فاذا اقترن بسبب صالح وعلم انتفاء غيره علم أنه لذاك السبب وهذا إنما يكون ممن يفعل لداع يدعوه والرب تعالى عندهم لا يفعل لداع يدعوه فلزمهم إما إبطال أصلهم وإما إبطال هذه الدلالة وايضا فيقال لهم بل الدليل دل لجنسه وهو هذا الفعل الذي لم يفعل إلا لهذا الطلب ومتى وجد هذا كان جنسه دليلا وليست الدعوى جزءا من الدليل بل طلب الاعلام بهذا الفعل مع الفعل هو الدليل ولهذا لو قال فافعل ما يدل على صدقي وقام وقعد لم يدل على صدقه بخلاف ما إذا قال فقم واقعد ولو قال فأظهر ما يدل على صدقي فلا بد أن يظهر ما يدل جنسه أنه دليل كقول أو خط أو غير ذلك أو خلعة تختص بمثل ذلك ففرق بين أن يطلب فعلا معينا أو دليلا مطلقا وهو إذا طلب فعلا معينا كقيام أو وضع يد على الرأس أو صلاة ركعتين أو غير ذلك من الأفعال دل على
النبوات [ جزء 1 - صفحة 129 ]
صدقه وان كان ذلك معتادا له أن يفعله فليس من شرط دلالته أن يخرج عن عادته لكن شرط دلالته أن يعلم أنه فعله لأجل الاعلام بحيث لا يكون هناك سبب داع غير الأعلام وحينئذ فهو دال لجنسه وكذلك يقال الرب إذا خرق العادة لمدعي الرسالة عقب مطالبته بآية علم أن الله لم يخلق تلك الأدلة على صدقه فهذا يدل وهذا انما يتم مع كون الرب يفعل شيئا لأجل شيء آخر وحينئذ فقد يكون من شرط الدليل مطالبة الطالب بدليل لا أن نفس الدعوى هي جزء الدليل وفرق بين طلبه من الرب آية أو طلبهم منه آية وبين الدعوى فاظهار ما يظهره الرب عقب طلبهم أو طلبه قد يقال فيه أن الطلب جزء الدليل وأنه لو أظهره بدون الطلب لم يدل وأما نفس دعوى النبوة فليست جزءا وعلى هذا فاذا قدر أنه يفعل ذلك عند طلبه أو طلب غيره آية دل على صدقه لكن هذا يكون إذا علم أنه لم يفعله إلا لإعلام أولئك بصدقه وهذا لا يكون إلا بأن يتميز جنس ما دل به عن غيره ولا يجوز أن يدل مع وجود مثله من غير دلالة بل متى قدر وجود مثله من غير دلالة بطل كونه دليلا ولو كانت الدعوى جزءا من الدليل لكانت المعارضة لا تكون إلا مع دعوى النبوة فلو أتوا بمثل القرآن من غير دعوى النبوة لم يكونوا عارضوه وهذا خلاف ما في القرآن وخلاف ما أجمع المسلمون بل العقلاء والله أعلم وهم يسمون ما يكون بقصد الدال كالكلام دليلا وضعيا فالأقوال والأفعال التي يقصد بها الدلالة كالعقد وما يجعله الرجل علامة ونحو ذلك يسمونه دليلا وضعيا ويسمون ما يدل مطلقا دليلا عقليا والأجود أن يقال جميع الأدلة عقلية بمعنى أن العقل إذا تصورها علم أنها تدل فان الدليل هو ما يكون النظر الصحيح فيه مفضيا الى العلم بالمدلول عليه وإنما يكون النظر الصحيح لمن يعقل دلالة الدليل فمن لم يعقل كون الدليل مستلزما للمدلول لم يستدل به ومن عقل ذلك استدل به فهو يدل بصفة هو في نفسه عليها لا بصفة هي في المستدل لكن كونه عقليا يرجع إلى أن المستدل علمه بعقله وهذا صفة في المستدل لا فيه أو الأجود أن يقال الدليل قد يدل بمجرده وقد يدل بقصد الدال على دلالته فالاول لا يحتاج الى قصد الدلالة كما تقول النحاة أن الأصوات تدل بالطبع وتدل بالوضع فالذي يدل بالطبع كالنحنحة
النبوات [ جزء 1 - صفحة 130 ]
والسعال والبكاء ونحو ذلك من الاصوات وهذا ليس كلاما وحينئذ فما يدل بقصد الدال أحق بالدلالةودلالته أكمل ولهذا كانت دلالة الكلام على مقصود المتكلم وهي دلالة سمعية أكمل من جميع أنواع الأدلة على مراده وهو البيان الذي علمه الله الانسان وامتن بذلك على عباده فمنها ما يدل بمجرده ومنها ما يدل بقصد الدال فاذا انضم اليه ما يعرف أنه قصد الدلالة دل فالدليل هنا في الحقيقة قصد الدال للدلالة وهي دلالة لا تنتقض اذا لم يجوز عليه الكذب وإنما الذي دل به على قصده هو دل بجعله دليلا لم يدل بمجرده فهو دليل بالاختيار لا بمجرده فالاقوال والافعال التي يقصد بها الدلالة تدل باختيار الدال بها لا بمجردها ودلالتها تعلم بالعقل وقد تفتقر من العقل الى أكثر مما يفتقر اليه العقلي المجرد لانها تحتاج الى أن يعلم قصد الدال ولكن ما يحصل بها من الدلالة أوضح وأكثر كالكلام وعلى هذا فاذا أريد تقسيمها الى عقلي ووضعي أي الى عقلي مجرد والى وضعي يحتاج مع العقل الى قصد من الدال فهو تقسيم صحيح فدال يعلم بمجرد العقل وهذا لا يحتاج مع العقل إلى السمع أو غيره وحينئذ فاذا قيل في السمعيات انها ليست عقلية أي لا يكفي فيها مجرد العقل بل لا بد من انضمام السمع اليه وكذلك ذكر الرازي وغيره أن السمع المحض لا يدل لا بد من العقل وهذا صحيح فان العقل شرط في جميع العلوم التي تختص بالعقلاء والله أعلم ومما يلزم أولئك ان ما كان يظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت من الاوقات ليس دليلا على نبوته لأنه لم يكن كلما ظهر شيء من ذلك احتج به وتحدى الناس بالاتيان بمثله بل لم ينقل عنه التحدي إلا في القرآن خاصة ولا نقل التحدي عن غيره من الانبياء مثل موسى والمسيح وصالح ولكن السحرة لما عارضوا موسى أبطل معارضتهم وهذا الذي قالوه يوجب أن لا تكون كرامات الأولياء من جملة المعجزات وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الاولياء معجزات لنبيهم وهي من آيات نبوته وهذا هو الصواب كقصة أبي مسلم الخولاني وغيره مما جرى لهذه الامة من الآيات ومثل ما كان يظهر على أيدي الحواريين وعلى يد موسى وأتباعه لأنه جعل التحدي بالمثل جزءا من دليله وآيته فلا يكون دليلا حتى يتحداهم بالمثل بل قد علم أن نفس استدلال المستدل
النبوات [ جزء 1 - صفحة 131 ]
بالدليل يوجب اختصاصه بالمدلول عليه وكل من أتى بآية هي دليل وبرهان وحجة فقد علم أنه يقول انها مستلزمة للمدلول عليه لا يوجد مع عدمه فلا يمكن أحدا أن يعارضها فيأتي بمثلها مع عدم المدلول عليه وهؤلاء جعلوا من جملة الدليل دعوى النبوة والاحتجاج به والتحدي بالمثل ثلاثة أشياء وهذه الثلاثة هي أجزاء الدليل ودعوى النبوة هو الذي تقام عليه البينة والذي تقام عليه الحجة ليس هو جزءا من الحجة والدعوى تسمى مدلولا عليها ونفس المدعي يسمى مدلولا عليه وثبوت المدعي يسمى مدلولا عليه والعلم بثبوته يسمى مدلولا عليه فهنا دعوى النبوة وهنا النبوة المدعاة قبل أن يعلم ثبوتها وهنا ثبوتها في نفس الامر وهنا علم الناس بثبوتها وكذلك سائر الدعاوي فمن ادعى تحريم النبيذ المتنازع فيه فهنا دعواه التحريم ونفس التحريم هل هو ثابت أم منتف وثبوت التحريم في نفس الامر والعلم بالتحريم وكذلك من أدعى حقا عند الحاكم فهنا دعواه الحق وهنا نفس المدعي وهو استحقاقه ذلك الحق وهنا ثبوت هذا الاستحقاق في نفس الامر وهنا العلم باستحقاقه فالبينة والحجة يجب أن يقارن المدلول عليه الذي هو المدعي وثبوته في نفس الامر سواء ادعاه مدع أو لم يدعه وسواء علمه عالم أو لم يعلمه فان الدليل مستلزم لحرمة النبيد واستحقاق الحق وثبوت الحرمة في نفس الامر يستلزم للحرمة وأما مجرد الحرمة المتصورة فليست مستلزمة لوجودها في نفس الامر بل قد يتصور في الأذهان مالا يوجد في الاعيان والله أعلم
فصل وقد ذكر القاضي أبو بكر ان من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب عن حجة النفاة بأن قال الأدل
المصدر :
كتاب : النبوات لابن تيمية
>> عدد الأجزاء= 1 <<
النبوات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق