كتاب سير اعلام النبلاء
قال الامام الذهبي :
غزوة الطائف:
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين يريد الطائف في شوال، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته. وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يكفيهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس دخلو الحصن وتهيأوا للقتال.
قال محمد بن شعيب، عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الطائف فحاصرهم، ونادى مناديه: من خرج منهم من عبيدهم فهو حر. فاقتحم إليه من حصنهم نفر، منهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد من أبيه، فأعتقهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من أصحابه ليحمله. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى على الجعرانة. فقال: "إني معتمر".
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى، قالا: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وترك السبي بالجعرانة، وملئت عرش مكة منهم. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة، يقاتلهم، وثقيف ترمي بالنبل، وكثرت الجراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. واستأذنه المسلمون في مناهضة الحصن، فقال: ما أرى أن نفتحه، وما أذن لنا فيه.
وزاد عروة، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقطع كل رجل من المسلمين خمس نخلات أو حبلات من كرومهم. فأتاه عمر فقال: يا رسول الله، إنها عفاء لم تؤكل ثمارها.
فأمرهم أن يقطعوا ما أكلت ثمرته، الأول فالأول. وبعث مناديا ينادي: من خرج إلينا فهو حر.
وقال ابن إسحاق: لم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق.
ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم على نخلة إلى الطائف، وابتنى بها مسجدا وصلى فيه. وقتل ناس من أصحابه بالنبل، ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم. وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه؛ إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية. فلما أسلمت ثقيف بنى علي مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو أمية بن عمرو بن وهب مسجدا. وكان في ذلك المسجد سارية لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر؛ فيما يذكرون، إلا سمع لها نقيض.
والنقيض: صوت المحامل.
وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سنبر، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح السلمي، قال: حاصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بلغ بسهم فله درجة في الجنة". فبلغت يومئذ ستة عشر سهما. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر".
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها، قالت: كان عندي مخنث، فقال لأخي عبد الله: إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فإني أدلك على ابنة غيلان،
(2/140)
فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فقال: "لا يدخلن هذا عليكم".
متفق عليه بمعناه.
وقال الواقدى عن شيوخه، أن سلمان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم -يعني الطائف- فإنا كنا بأرض فارس ننصبه على الحصون، فإن لم يكن منجنيق طال الثواء. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف. ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة، ودابتين. ويقال: الطفيل بن عمرو قدم بذلك. قال: فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فحرقت الدبابة. فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعنابهم وتحريقها. فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي: لم تقطع أموالنا؟ فإنما هي لنا أو لكم. فتركها.
وقال أبو الأسود، عن عروة، من طريق ابن لهيعة: أقبل عيينة بن بدر حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائذن لي أن أكلمهم، لعل الله أن يديهم. فأذن له، فانطلق حتى دخل الحصن، فقال: بأبي أنتم، تمسكوا بمكانكم، والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لئن حدث به حدث لتملكن العرب عزا ومنعة، فتمسكوا بحصنكم. ثم خرج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ماذا قلت لهم"؟. قال: دعوتهم إلى الإسلام، وحذرتهم النار وفعلت. فقال: $"كذبت، بل قلت: كذا وكذا". قال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك.
أخبرنا محمد بن عبد العزيز المقرئ سنة اثنين وتسعين وستة مائة، ومحمد بن أبي الحزم، وحسن بن علي، ومحمد بن أبي الفتح الشيباني، ومحمد بن أحمد العقيلي، ومحمد بن يوسف الذهبي، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي.
"ح" وأخبرنا عبد المعطي بن عبد الرحمن؛ بالإسكندرية، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مكي.
"ح" وأخبرنا لؤلؤ المحسني؛ بمصر، وعلي بن أحمد، وعلي بن محمد الحنبليان، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله الفقيه، قالوا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسن مكي بن منصور الكرجي.
وقرأت على سنقر القضائي بحلب: أخبرك عبد اللطيف بن يوسف. وسمعته سنة اثنتين وتسعين على عائشة بنت عيسى بن الموفق، قالت: أخبرنا جدي أبو محمد بن قدامة سنة أربع عشرة وست مائة حضورا، قالا: أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الساوي سنة سبع وثمانين وأربع مائة، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن
(2/141)
القاضي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا زكريا بن يحيى المروزي ببغداد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمر، قال: حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئا. قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله. فقال المسلمون: أترجع ولم نفتحه؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغدوا على القتال غدا". فأصابهم جراح. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا قافلون غدا إن شاء الله". فأعجبهم ذلك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان هكذا. وعنده: عبد الله بن عمرو، في بعض النسخ بمسلم.
وأخرجه البخاري، عن ابن المديني، عن سفيان، فقال: عبد الله بن عمرو. قال البخاري: قال الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، قال: سمعت أبا العباس الأعمى، يقول: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، فذكره، وقال فيه: عبد الله بن عمرو.
ثم قال أبو بكر: وسمعت ابن عيينة يحدث به مرة أخرى، عن ابن عمر.
وقال المفضل بن غسان الغلابي، أظنه عن ابن معين. قال أبو العباس الشاعر، عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر؛ في فتح الطائف: الصحيح ابن عمر.
قال: واسم أبي العباس: السائب بن فروخ مولى بني كنانة.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ارتحل عن الطائف بأصحابه ودعا حين ركب قافلا: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم".
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكدم، عمن أدركوا، قالوا: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك. ثم انصرف عنهم، فقدم المدينة، فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا.
قال ابن إسحاق: واستشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف: سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن حباب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، رمي بسهم فمات بالمدينة في خلافة أبيه، وعبد الله بن أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي؛ أخو أم سلمة، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وكان يقال لأبي أمية؛ واسمه حذيفة: زاد الراكب، وكان عبد الله شديدا على المسلمين، قيل: هو الذي قال: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] ، وما بعدها، ثم أسلم قبل فتح مكة بيسير، وحسن إسلامه، وهو الذي قال له هيت المخنث: يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف، فإني أدلك على ابنة غيلان ... الحديث -وعبد الله بن عامر بن ربيعة، والسائب بن الحارث، وأخوه: عبد الله، وجليحة بن عبد الله.
ومن الأنصار: ثابت بن الجذع، والحارث بن سهل بن أبي صعصعة، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت.
فذلك اثنا عشر رجلا، رضي الله عنهم.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار نوفل بن معاوية الديلي في أهل الطائف، فقال: ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
(2/142)
قسم غنائم حنين وغير ذلك:
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، على رحيل، حتى نزل بالناس بالجعرانة، وكان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذرية، ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدته.
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثنا السميط، عن أنس، قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوت رأيت. قال: فصف الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صف النساء من وراء ذلك، ثم صف الغنم، ثم صف النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف؛ أظنه يريد الأنصار. قال: وعلي مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا للمهاجرين يا للمهاجرين، يا للأنصار يا للأنصار". قال أنس: هذا حديث عمية. قلنا: لبيك، يا رسول الله. فتقدم، فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله. وقال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف. قال فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة ونزلنا. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة. فتحدثت الأنصار بينهم: أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه. قال: ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار -لما بلغه الحديث- أن يدخلوا عليه. فدخلنا القبة حتى ملأناها. فقال: "يا معشر الأنصار؛ -ثلاث مرات، أو كما قال- ما حديث أتاني"؟ قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبوا برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم"؟ قالوا: رضينا. فقال:
(2/143)
"لو أخذ الناس شعبا وأخذت الأنصار شعبا أخذت شعب الأنصار". قالوا: رضينا يا رسول الله. قال: "فارضوا". أخرجه مسلم1.
وقال ابن عون، عن هشام بن زيد، عن أنس، قال: لما كان يوم حنين؛ فذكر القصة، إلى أن قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئا. فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. قال: فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة وقال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبوا برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم"؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، رضينا. فقال: "لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار". متفق عليه2.
وقال شعب، وغيره، عن الزهري: حدثني أنس، أن ناسا من الأنصار، قالوا: لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين أفاء الله عليهم من أموال هوازن ما أفاءه، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل؛ فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشا ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا، قال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا.
فقال: "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله ما تنقلبون به خير ما ينقلبون به".
قالوا: قد رضينا. فقال: "إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض". قال أنس: فلم نصبر. متفق عليه3.
وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد، قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتألفين من قريش، وفي سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها قليل ولا كثير، وجدوا في أنفسهم. وذكر نحو حديث أنس.
__________
1 صحيح: أخرجه أحمد "3/ 157-158"، ومسلم "1059" "136" من طريق معتمر بن سليمان التيمي، به.
وأخرجه أحمد "3/ 172و 275"، والبخاري "4334"، ومسلم "1059" "133"، والترمذي "3901" وأبو يعلى "3002" من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس، به.
2 صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة "14/ 522"، وأحمد "3/ 279-280"، والبخاري "4333"
و"4337"، ومسلم "1059" "135" من طريق ابن عون، به.
3 صحيح: أخرجه البخاري "3147"و "4331"و"5860" و "7441"، ومسلم "1059" "132" من طرق عن الزهري، به.
(2/144)
وقال ابن عيينة، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن جده؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين، كل رجل منهم مائة من الإبل. فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف النصري مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة.
فأنشأ العباس يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فأتم له مائة. أخرجه مسلم1، دون ذكر مالك بن عوف، وعلقمة، ودون البيت الثالث.
وقال عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قوبلهم: أبا سفيان، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام المخزومي، وصفوان بن أمية الجمحي، وحويطب بن عبد العزى العامري؛ أعطى كل واحد مائة ناقة.
وأعطى قيس بن عدي السهمي خمسين ناقة، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين. فهؤلاء من أعطى من قريش. وأعطى العلاء بن جارية مائة ناقة، وأعطى مالك بن عوف مائة ناقة، ورد إليه أهله، وأعطى عيينة بن بدر الفزاري مائة ناقة، وأعطى عباس بن مرداس كسوة. فقال عبد الله بن أبي بن سلول للأنصار: قد كنت أخبركم أنكم ستلون حرها ويلي بردها غيركم. فتكلمت الأنصار، فقالوا: يا رسول الله، عم هذه الأثرة؟ فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم مفترقين فجمعكم الله، وضلالا فهداكم الله، ومخذولين فنصركم الله". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو تشاؤون لقلتم ثم لصدقتم ولصدقتم: ألم نجدك مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، ومحتاجا فواسيناك". قالوا: لا نقول ذلك، إنما الفضل من الله ورسوله والنصر من الله ورسوله، ولكنا أحببنا أن نعلم فيم هذه الأثر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوم حديثو عهد بعز وملك، فأصابتهم نكبة فضعضعتهم ولم يفقهوا
__________
1 صحيح: أخرجه مسلم "1060" "137" حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان، به.
(2/145)
كيف الإيمان، فأتألفهم، حتى إذا علموا كيف الإيمان، وفقهوا فيه علمتهم كيف القسم وأين موضعه". وساق باقي الحديث.
وقال جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن أبي وائل، عبد الله، قال: لما كان يوم حنين أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته، فتغير وجهه حتى صار كالصرف، وقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله"؟، ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعد هذا حديثا. متفق عليه1.
وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى رجل بالجعرانة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر: دعني أقتل هذا المنافق. قال: "معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابى، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". أخرجه مسلم2.
وقال شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما، إذ أتاه ذو الخويصرة التميمى فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر: إيذن لي فيه يا رسول الله أضرب عنقه. قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". وذكر الحديث. أخرجه البخاري3.
__________
1 صحيح على شرط الشيخين: أخرجه البخاري "3150" و "4336"، ومسلم "1062" "140" من طريق جرير، عن منصور، به.
2 صحيح: أخرجه أحمد "3/ 353و 354"، ومسلم "1063"، والنسائي في "فضائل القرآن" "112" من طرق عن يحيى بن سعيد، به.
قلت: وقد صرح أبو الزبير المكي بالتحديث؛ فأمنا شر تدليسه.
3 صحيح: أخرجه البخاري "6163"، والبيهقي في "الدلائل" "6/ 427-428" من طريق الأوزاعي، عن الزهري، به.
(2/146)
وقال عقيل، عن ابن شهاب، قال عروة: أخبرني مروان، والمسور بن مخرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن يرد إليهم أموالهم ونساءهم. فقال: "معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم تسع عشرة ليلة حين قفل من الطائف. فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم. فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل". فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم. فقال: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم". فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم. ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر بأنهم قد طيبوا وأذنوا. أخرجه البخاري1.
وقال موسى بن عقبة: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة؛ وبها السبي، وقدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فيهم تسعة من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فيمن أصيب، فقالوا: يا رسول الله. إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك. وكان صلى الله عليه وسلم رحيما جوادا كريما. فقال: سأطلب لكم ذلك.
قال في القصة: وقال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، وعروة: أن سبي هوازن كانوا ستة آلاف.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله: إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللائي كن يكلفنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك، رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشده أبياتا قالها:
__________
1 صحيح: أخرجه البخاري "2307"و "2308" من طريق الليث، حدثني عقيل، به.
(2/147)
أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
أمنن على بيضة اعتاقها حزز ... ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لها الحرب هتافا على حرن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا، فإنا معشر زهر
إنا لنشكر آلاء وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نساؤكم أحب إليكم أم أموالكم"؟ فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا. فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا ونسائنا، سأعينكم عند ذلك وأسأل لكم". فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فقاموا ما أمرهم به، فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله. وقالت الأنصار كذلك. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. فقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عيينة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه". فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت منه رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". ثم قال إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه، وقال: "أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة". فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما حقي منها فلك". فقال الرجل: أما إذ بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها. فرمى بها.
(2/148)
وقال أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام. قال: "اذهب فاعتكف". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاه جارية من الخمس. فلما أن أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا الناس، قال عمر: يا عبد الله، اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها. أخرجه مسلم1.
وقال ابن إسحاق: حدثني أبو وجزة السعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى من سبي هوازن علي بن أبي طالب جارية، وأعطى عثمان وعمر، فوهبها عمر لابنه.
قال ابن إسحاق: فحدثني نافع، عن ابن عمر، قال: بعثت بجاريتي إلى أخوالي من بني جمح ليصلحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم. فخرجت من المسجد فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا. فقلت: دونكم صاحبتكم فهي في بني جمح، فانطلقوا فأخذوها.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد هوازن: "ما فعل مالك بن عوف". قالوا: هو بالطائف. فقال: "أخبروه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل". فأتى مالك بذلك، فخرج إليه من الطائف. وقد كان مالك خاف من ثقيف على نفسه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمر براحلة فهيئت، وأمر بفرس له فأتى به، فخرج ليلا ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، فقال:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... وإذا تشا يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها2 ... أم العدى فيها بكل مهند3
فكأنه ليث لدى أشباله ... وسط المباءة خادر4 في مرصد
فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وتلك القبائل من ثمالة وسلمة وفهم، كان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصيبه.
قال ابن عساكر: شهد مالك بن عوف فتح دمشق، وله بها دار.
وقال أبو عاصم: حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، قال: أخبرني عمي عمارة بن ثوبان، أن أبا الطفيل أخبره، قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة، فجاءته امرأة فبسط لها رداءه. فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته.
وروى الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أنا أختك شيماء بنت الحارث. فقال: "إن تكوني صادقة فإن بك مني أثرا لن يبلى". قال: فكشفت عن عضدها. ثم قالت: نعم يا رسول الله، حملتك وأنت صغير فعضضتنى هذه العضة. فبسط لها رداءه ثم قال: "سلي تعطي، واشفعي تشفعي".
الحكم ضعفه ابن معين.
__________
1 صحيح على شرطهما: أخرجه أحمد "2/ 35"، والبخاري "3142" ومسلم "1656" "28" من طريق أيوب، به.
2 عردت أنيابها: غلظت واشتدت.
3 المهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
4 المباءة: البيت في الجبل. وأسد خادر: مقيم في عرينه داخل الخدر ومخدر أيضا. وخدر الأسد في عرينه.
(2/149)
عمرة الجعرانة:
قال همام، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا ا
المصدر :
الكتاب: سير أعلام النبلاء
المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
الناشر: دار الحديث- القاهرة
الطبعة: 1427هـ-2006م
عدد الأجزاء: 18
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
من كتب المكتبة الشاملة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق