الجمعة، 3 أبريل 2015

كتاب النبوات، قال ابن تيمية : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم كما سماها الله آيات وبراهين

كتاب النبوات، قال ابن تيمية :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله
فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم كما سماها الله آيات وبراهين
وللنظار طرق في التمييز بينها وبين غيرها وفي وجه دلالتها
أما الأول فان منهم من رأى أن كل ما يخرج عن الأمر المعتاد فانه معجزة وهو الخارق للعادة إذا إقترن بدعوى النبوة وقد علموا أن الدليل مستلزم للمدلول فيلزم أن يكون كل من خرقت له العادة نبيا فقالت طائفة لا تخرق العادة إلا لنبي وكذبوا بما يذكر من خوارق السحرة والكهان وبكرامات الصالحين وهذه طريقة أكثر المعتزلة وغيرهم كأبي محمد بن حزم وغيره بل يحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني وأبي محمد بن أبي زيد ولكن كأن في الحكاية عنهما غلطا وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين وهؤلاء يقولون إن ما جرى لمريم وعند مولد الرسول فهو إرهاص أي توطئة وإعلام بمجيء الرسول فما خرقت في الحقيقة إلا لنبي فيقال لهم وهكذا الأولياء إنما خرقت لهم لمتابعتهم الرسول فكما أن ما تقدمه هو من معجزاته فكذلك ما تأخر عنه وهؤلاء يستثنون ما يكون أمام الساعة لكن هؤلاء كذبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء والمنازع لهم يقول هي موجودة مشهودة لمن شهدها متواترة عند كثير من الناس أعظم مما تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء فكيف يكذبون بما شهدوه ويصدقون بما غاب عنهم ويكذبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره
وقالت طائفة بل كل هذا حق وخرق العادة جائز مطلقا وكل ما خرق لنبي من العادات يجوز أن يخرق لغيره من الصالحين بل ومن السحرة والكهان لكن الفرق أن هذه تقترن بها دعوة النبوة وهو التحدي وقد يقولون إنه لا يمكن


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 4 ]  


أحد أن يعارضها بخلاف تلك وهذا قول من إتبع جهما على أصله في أفعال الرب من الجهمية وغيرهم حيث جوزوا أن يفعل كل ممكن فلزمهم جواز خرق العادات مطلقا على يد كل أحد واحتاجوا مع ذلك الى الفرق بين النبي وغيره فلم يأتوا بفرق معقول بل قالوا هذا يقترن به التحدي فمن إدعى النبوة وهو كاذب لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له ويكون دليلا على صدقه لما يقترن بها مما يناقض ذلك فان هذين قولان لهم فقيل لهم لم أوجبتم هذا في هذا الموضع دون غيره وأنتم لا توجبون على الله شيئا فقالوا لأن المعجزة علم الصدق فيمتنع أن تكون لغير صادق فالمجموع هو الممتنع وهو خارق العادة ودعوى النبوة أو هذان مع السلامة عن المعارض فقيل لهم ولم قلتم إنه علم الصدق على قولكم فقالوا إما لأنه يفضي منع ذلك إلى عجزه وإما لأنه علم دلالته على الصدق بالضرورة فقيل لهم إنما يلزم العجز لو كان التصديق على قولكم ممكنا وكون دلالتها معلومة بالضرورة هو مسلم لكنه يناقض أصولكم ويوجب أن يكون أحد الشيئين معلوما بالضرورة دون نظيره وهذا ممتنع فإنكم تقولون يجوز أن يخلق على يد مدعي النبوة والساحر والصالح لكن إن إدعى النبوة دلت على صدقه وإن لم يدع النبوة لم تدل على شيء مع أنه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدعي النبوة وغير مدعي النبوة بل كلاهما جائز فيه فاذا كان هذا مثل هذا فلم كان أحدهما دليلا دون الآخر ولم إقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر ومن أين علمتم أن الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلا على يد صادق وأنتم تجوزون على أصلكم كل فعل مقدور وخلقها على يد الكذاب مقدور
ثم هؤلاء جوزوا كرامات الصالحين ولم يذكروا بين جنسها وجنس كرامات الأنبياء فرقا بل صرح أئمتهم أن كل ما خرق لنبي يجوز أن يخرق للأولياء حتى معراج محمد وفرق البحر لموسى وناقة صالح وغير ذلك ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقا معقولا بل قد يجوزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك لكن بينهما فرق دعوى النبوة وبين الصالح والساحر البر والفجور وحذاق الفلاسفة الذين تكلموا في هذا الباب مثل إبن سينا وهو أفضل طائفتهم ولكنه أجهل من تكلم


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 5 ]  


في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كله من قوى النفس لكن الفرق أن النبي والصالح نفسه طاهرة يقصد الخير والساحر نفسه خبيثة وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذر على قول هؤلاء
ومن الناس من فرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء بفروق ضعيفه مثل قولهم الكرامة يخفيها صاحبها أو الكرامة لا يتحدى بها ومن الكرامات ما أظهرها أصحابها كإظهار العلاء بن الحضرمي المشي على الماء وإظهار عمر مخاطبة سارية على المنبر وإظهار أبي مسلم لما ألقي في النار أنها صارت عليه بردا وسلاما وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين فإنه قد يطفئها إلا أنها لا تصير عليه بردا وسلاما وإطفاء النار مقدور للإنس والجن ومنها ما يتحدى بها صاحبها أن دين الاسلام حق كما فعل خالد بن الوليد لما شرب السم وكالغلام الذي أتى الراهب وترك الساحر وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربه وكان قبل ذلك قد خرقت له العادة فلم يتمكنوا من قتله ومثل هذا كثير
فيقال المراتب ثلاثة آيات الأنبياء ثم كرامات الصالحين ثم خوارق الكفار والفجار كالسحرة والكهان وما يحصل لبعض المشركين وأهل الكتاب والضلال من المسلمين أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء فإنهم يقولون نحن إنما حصل لنا هذا باتباع الانبياء ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء كما صارت النار بردا وسلاما على أبي مسلم كما صارت على إبراهيم وكما يكثر الله الطعام والشراب لكثير من الصالحين كما جرى في بعض المواطن للنبي صلى الله عليه وسلم أو إحياء الله ميتا لبعض الصالحين كما أحياه للأنبياء وهي أيضا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاص ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين فلا تبلغ كرامات أحد قط مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 6 ]  


في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول لا تدل على أن الولي معصوم ولا على أنه تجب طاعته في كل ما يقوله ومن هنا ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم فان الحواريين وغيرهم كانت لهم كرامات كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون وهذا غلط فان النبي وجب قبول كل ما يقول لكونه نبيا إدعى النبوة ودلت المعجزة على صدقه والنبي معصوم وهنا المعجزة ما دلت على النبوة بل على متابعة النبي وصحة دين النبي فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصوما ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم وبين من خالفهم من الكفار والفجار كالسحرة والكهان وغيرهم حتى يظهر الفرق بين الحق والباطل وبين ما يكون دليلا على صدق صاحبه كمدعي النبوة وبين مالا يكون دليلا على صدق صاحبه فإن الدليل لا يكون دليلا حتى يكون مستلزما للمدلول متى وجد وجد المدلول وإلا فاذا وجد تارة مع وجود المدلول وتارة مع عدمه فليس بدليل فآيات الأنبياء وبراهينهم لا توجد إلا مع النبوة ولا توجد مع ما يناقض النبوة ومدعي النبوة إما صادق وإما كاذب والكذب يناقض النبوة فلا يجوز أن يوجد مع المناقض لها مثل ما يوجد معها وليس هنا شيء مخالف لها ولا مناقض فإن الكفر والسحر والكهانة كل ذلك يناقض النبوة لا يجتمع هو والنبوة
والناس رجلان رجل موافق لهم ورجل مخالف لهم فالمخالف مناقض وإذا كان كذلك فيقال جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر بل وعن مقدور جنس الحيوان وأما خوارق مخالفيهم كالسحرة والكهان فإنها من جنس أفعال الحيوان من الإنس وغيره من الحيوان والجن مثل قتل الساحر وتمريضه لغيره فهذا أمر مقدور معروف للناس بالسحر وغير السحر وكذلك ركوب المكنسة أو الخابية وغير ذلك حتى تطير به وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد هذا


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 7 ]  


فعل مقدور للحيوان فان الطير يفعل ذلك والجن تفعل ذلك وقد أخبر الله أن العفريت قال لسليمان أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وهذا تصرف في أعراض الحي فان الموت والمرض والحركة أعراض والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأغراض ليس في هذا قلب جنس إلى جنس ولا في هذا ما يختص الرب بالقدرة عليه ولا ما تختص به الملائكة وكذلك إحضار ما يحضر من طعام أو نفقة أو ثياب أو غير ذلك من الغيب وهذا إنما هو نقل مال من مكان إلى مكان وهذا تفعله الإنس والجن لكن الجن تفعله والناس لا يبصرون ذلك وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيرا بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يزادها فهذا لا يقدر عليه أنسي ولا جني وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة مع الكذب في بعض الأخبار فهذا تفعله الجن كثيرا مع الكهان وهو معتاد لهم مقدور بخلاف اخبارهم بما يأكلون وما يدخرون مع تسمية الله على ذلك فهذا لا تظهر عليه الشياطين وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمون الله وأيضا فخبر المسيح وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط والكهان لا بد لهم من الكذب والرب قد أخبر في القرآن أن الشياطين تنزل على بعض الناس فتخبره ببعض الأمور الغائبة لكن ذكر الفرق فقال هل انبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون كذلك مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه الرب من آياته فخاصة الرسول ليست مجرد قطع هذه المسافة بل قطعها ليريه الرب من الآيات الغائبة ما يخبر به فهذا لا يقدر عليه الجن وهو نفسه لم يحتج بالمسرى على نبوته بل جعله مما يؤمن به فأخبرهم به ليؤمنوا به والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة وإلا فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى ولهذا قال وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وهذا كما قال في الآية ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 8 ]  


لقد رأى من آيات ربه الكبرى وكذلك ما يخبر به الرسول من أنباء الغيب قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا فهذا غيب الرب الذي اختص به مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق فان هذا لا يقدر عليه إلا الله والجن غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة كالذي يسترقه الجن من السماء مع ما في الجن من الكذب فلا بد لهم من الكذب والذي يخبرون به هو مما يعلم بالمنامات وغير المنامات فهو من جنس المعتاد للناس وأما ما يخبر به الرسول من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلا مثل إخباره إنكم تقاتلون الترك صغار الأعين ذلف الأنوف ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة وقوله لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى ونحو ذلك فهذا لا يقدر عليه جني ولا إنسي والمقصود أن ما يخبر به غير النبي من الغيب معتاد معروف نظيره من الجن والإنس فهو من جنس المقدور لهم وما يخبر به النبي خارج عن قدرة هؤلاء وهؤلاء فهو من غيب الله الذي قال فيه فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول
والآيات الخارقة جنسان جنس في نوع العلم وجنس في نوع القدرة فما اختص به النبي من العلم خارج عن قدرة الإنس والجن وما اختص به من المقدورات خارج عن قدرة الإنس والجن وقدرة الجن في هذا الباب كقدرة الإنس لأن الجن هم من جملة من دعاهم الأنبياء إلى الإيمان وأرسلت الرسل اليهم قال تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ومعلوم أن النبي اذا دعا الجن إلى الإيمان به فلا بد أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجن فلا بد أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجن وما يأتي به الكاهن من خبر الجن وغايته أنه سمعه الجني لما استرق السمع مثل الذي يستمع إلى حديث قوم وهم له كارهون وما أعطاه الله سليمان مجموعه يخرج عن قدرة الانس والجن كتسخير الرياح والطير وأما الملائكة فالأنبياء لا تدعو الملائكة إلى الإيمان بهم بل الملائكة تنزل بالوحي على الأنبياء وتعينهم وتؤيدهم والخوارق التي تكون بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 9 ]  


وأتباعهم لا تكون للكفار والسحرة والكهان ولهذا أخبر الله تعالى أن الذي جاء بالقرآن ملك لا شيطان فقال إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم وقال نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين وقال قل نزله روح القدس من ربك بالحق وقال من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله وقال هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون فينبغي أن يتدبر هذا الموضع وتعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياءوبين ما يشتبه بها كما يعرف الفرق بين النبي وبين المتنبي وبين ما يجيء به النبي وما يجيء به المتنبي فالفرق الحاصل بين صفات هذا وصفات هذا وأفعال هذا وأفعال هذا وأمر هذا وأمر هذا وخبر هذا وخبر هذا وآيات هذا وآيات هذا إذ الناس محتاجون الى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم الى غيره والله تعالى يبينه وييسره ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البينات وكيف يشبه خير الناس بشر الناس ولهذا لما مثلوا الرسول بالساحر وغيره قال تعالى انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا
وقد تنازع الناس في الخوارق هل تدل على صلاح صاحبها وعلى ولايته لله والتحقيق أن من كان مؤمنا بالأنبياء لم يستدل على الصلاح بمجرد الخوارق التي قد تكون للكفار والفساق وإنما يستدل بمتابعة الرجل للنبي فيميز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بينها الله ورسوله كقوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدة مواضع كقوله لما ذكر السحرة ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون وقوله عن يوسف نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون وقوله في قصة صالح


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 10 ]  


ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون وهذه طريقة الصحابة والسلف
أما دلالتها على ولاية المعين فالناس متنازعون هل الولي والمؤمن من مات على ذلك بحيث إذا كان مؤمنا تقيا وقد علم أنه يموت كافرا يكون في تلك الحال عدوا لله أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة وهما قولان معروفان فمن قال بالأول فالولي عنده كالمؤمن عند من علم أنه يموت على تلك الحال والخوارق لا تدل على ذلك ولذلك قال هؤلاء كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وغيرهما إنها لا تدل وأما من قال الولاية تتبدل فالولاية هنا كالايمان وقد يعلم أن الرجل مؤمن في الباطن تقي بدلائل كثيرة وقد يطلع الله بعض الناس على خاتمة غيره فهذا لا يمتنع لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة وفيها ثلاثة أقوال قيل لا يشهد بذلك لغير النبي وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وعلى بن المديني وغيرهم وقيل يشهد به لمن جاء به نص إن كان خبرا صحيحا كمن شهد له النبي بالجنة فقط وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم وقيل يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهما وكان أبو ثور يشهد لاحمد بن حنبل بالجنة وقد جاء في الحديث الذي في المسند يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار قالوا بماذا يا رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السيء وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال وجبت وجبت فقيل يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض وفي حديث آخر إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت وسئل عن الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه فقال تلك عاجل بشرى المؤمن والتحقيق أن هذا قد يعلم بأسباب وقد يغلب على الظن ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم فصار لنا عثمان ابن مظعون في السكنى فمرض فمرضناه ثم توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 11 ]  


فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي أن قد أكرمك الله قال النبي صلى الله عليه وسلم وما يدريك أن الله قد أكرمه قالت لا والله لا أدري فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم قالت فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا قالت ثم رأيت لعثمان بعد في النوم عينا تجري فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذاك عمله
وأما من لم يكن مقرا بالأنبياء فهذا لا يعرف الولي من غيره إذ الولي لا يكون وليا إلا إذا آمن بالرسل لكن قد تدل الخوارق على أن هؤلاء على الحق دون هؤلاء لكونهم من أتباع الأنبياء كما قد يتنازع المسلمون والكفار في الدين فيؤيد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم كما صارت النار على أبي مسلم بردا وسلاما وكما شرب خالد السم وأمثال ذلك فهذه الخوارق هي من جنس آيات الأنبياء وقد يجتمع كفار ومسلمون ومبتدعة وفجار فيؤيد هؤلاء بخوارق تعينهم عليها الجن والشياطين ولكن جنهم وشياطينهم أقرب الى الإسلام فيترجحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوات كما يجري لكثير من المبتدعة والفجار مع الكفار مثل ما يجري للأحمدية وغيرهم مع عباد المشركين البخشية قدام التتار كانت خوارق هؤلاء أقوى لكونهم كانوا أقرب الى الاسلام وعند من هو أحق بالاسلام منهم لا تظهر خوارقهم بل تظهر خوارق من هو أتم إيمانا منهم وهذا يشبه رد أهل البدع على الكفار بما فيه بدعة فإنهم وإن ضلوا من هذا الوجه فهم خير من أولئك الكفار لكن من أراد أن يسلك إلى الله على ما جاء به الرسول يضره هؤلاء ومن كان جائرا نفعه هؤلاء بل كلام أبي حامد ينفع المتفلسف ويصير أحسن فان المتفلسف مسلم به إسلام الفلاسفة والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة وهذا بخلاف ذاك
والخوارق ثلاثة أنواع إما أن تعين صاحبها على البر والتقوى فهذه أحوال نبينا ومن أتبعه خوارقهم لحجة في الدين أو حاجة للمسلمين والثاني أن تعينهم


 النبوات    [ جزء 1 - صفحة 12 ]  


على مباحات كمن تعينه الجن على قضاء حوائجه المباحة فهذا متوسط وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه وهذا يشبه تسخير الجن لسليمان والأول مثل إرسال نبينا إلى الجن يدعوهم إلى الإيمان فهذا أكمل من إستخدام الجن في بعض الامور المباحة كاستخدام سليمان لهم في محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات قال تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور وقال تعالى ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ونبينا صلى الله عليه وسلم أرسل اليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته كما أرسل إلى الإنس فاذا اتبعوه صاروا سعداء فهذا أكمل له ولهم من ذاك كما أن العبد الرسول أكمل من النبي الملك ويوسف وداود وسليمان أنبياء ملوك أما محمد فهو عبد رسول كابراهيم وموسى والمسيح وهذا الصنف أفضل وأتباعهم أفضل والثالث أن تعينه على محرمات مثل الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل فهذا من جنس خوارق السحرة والكهان والكفار والفجار مثل أهل البدع من الرفاعية وغيرهم فانهم يستعينون بها على الشرك وقتل النفوس بغير حق والفواحش وهذه الثلاثة هي التي حرمها الله في قوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهان والشعراء والمجانين وقد نزه الله نبيه عن أن يكون مجنونا وشاعرا وكاهنا فإن إخبارهم بالمغيبات عن شياطين تنزل عليهم كالكهان وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم وهم من جنس المجانين وقد قال شيخهم إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الاسلام وأما سماعهم ووجدهم فهو شعر الشعراء ولهذا شبههم من رآهم بعباد المشركين من الهند الذين يعبدون الأنداد


فصل وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة وبرهان عليها فلا بد أن يكون مختصا بها لا يكون مشتركا بين الأنبياء وغيرهم ف




الكتاب : النبوات لابن تيمية
  >> عدد الأجزاء= 1  <<
النبوات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق