الاثنين، 11 يناير 2016

أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قال ابن تيمية: فصل وإذا كان أولياء الله عز وجل هم المؤمنين المتقين والناس يتفاضلون في الأيمان والتقوى فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك

أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
قال ابن تيمية:
فصل
وإذا كان أولياء الله عز وجل هم المؤمنين المتقين والناس يتفاضلون في الأيمان والتقوى فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك
وأصل الإيمان والتقوى : الايمان برسل الله وجماع ذلك : الايمان بخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم فالايمان به يتضمن الايمان بجميع كتب الله ورسله وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل وبما جاؤوا به فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة فإن الله تعالى أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة قال الله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقال تعالى : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال تعالى عن أهل النار : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير }
فأخبر أنه كلما ألقي في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير وقال تعالى في خطابه لابليس : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع الشيطان وهذا يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له فإنه ممن لم يتبع الشيطان ولم يكن مذنبا وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 36 ]  


الإيمان المجمل والمفصل
ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا ( عاما ) مجملا وأما الايمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانا مجملا فهذا إذا عمل بما علم أن أمره به مع إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه وما لم تقم عليه الحجة به فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والايمان المفصل به فلا يعذبه على تركه لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك فمن علم بما جاء به الرسول وآمن به إيمانا مفصلا وعمل به فهو أكمل إيمانا وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به وكلاهما ولي الله تعالى والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم قال الله تبارك وتعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } فبين الله سبحانه وتعالى أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه وأن عطاءه ما كان محظورا من بر ولا فاجر ثم قال تعالى : { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } فبين الله سبحانه أن أهل الاخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا وقد بين تفاضل أنبيائه عليهم السلام كتفاضل سائر عباده المؤمنين فقال تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } وقال تعالى : { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا }
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل : لوأني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ] وقد قال الله تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى } وقال تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } وقال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم } وقال تعالى : { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب } وقال تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير }


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 39 ]  


لا يكون أحد من الكفار والمنافقين وليا
فصل
وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون }
وفي صحيح البخاري الحديث المشهور وقد تقدم يقول الله تبارك وتعالى فيه : [ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ] ولا يكون مؤمنا تقيا حتى يتقرب إلىبالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة وإن قيل : أنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين فمن ( لم ) يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 40 ]  


المجنون والمكاشفات
وكذلك المجانين والأطفال فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ يرفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ ]
وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة رضي الله عنهما واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات ولا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا ولا تصح عقوده باتفاق العلماء فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته ولا غير ذلك من أقواله بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ولا ثواب ولا عقاب بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع وفي مواضع فيها نزاع


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 41 ]  


لا ولاية لمن لا يؤدي الفرائض
وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليا لله فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى أحد فمات أو صرع فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة أويعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو يقول : إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم قدوة على العامة أنه ولي لله ولكن إن كان له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنا بالله متقيا كان له من ولاية الله بحسب ذلك وإن كان له حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 42 ]  


بدعة التميز باللباس والحلاقة
وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا كما قيل : كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء بل يوجد في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجد في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع
وقد ذكر الله أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه }


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 43 ]  


التحقيق في أسم الصوفية
وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم : ( القراء ) فيدخل فيهم العلماء والنساك ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية و الفقراء واسم الصوفية : هو نسبة إلى لباس الصوف هذا هو الصحيح
وقد قيل : إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء وقيل : إلى صوفة ( بن مر ) ابن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك وقيل إلى أهل الصفة وقيل : إلى ( أهل ) الصفاء وقيل : إلى الصفوة وقيل : إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل : صفي أو صفائي أو صفوي أو صفي ولم يقل : صوفي وصار اسم الفقراء يعنى به أهل السلوك وهذا عرف حادث وقد تنازع الناس : أيهما أفضل مسمى الصوفي أو مسمى الفقير ؟ و يتنازعون أيضا أيهما أفضل الغني الشاكر أو الفقير الصابر ؟


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 44 ]  


الناس معادن وتفاضلهم بالتقوى
وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء وقد روي عن أحمد بن حنبل فيها روايتان والصواب في هذا كله ما قاله الله تبارك وتعالى حيث قال : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }
وفي الصحيح [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الناس أفضل ؟ قال : ( أتقاهم ) قيل له : ليس عن هذا نسألك فقال : يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن اسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله فقيل له : ليس عن هذا نسألك فقال : عن معادن العرب تسألوني ؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا ]
فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم
وفي السنن عن النبي صلى أنه قال : [ لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب ]
وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ إن الله تعالى أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان : مؤمن تقي وفاجر شقي ] فمن كان من هذه الأصناف اتقى لله فهو أكرم عند الله وإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 45 ]  


لفظ الفقر شرعا
ولفظ الفقر في الشرع يراد به الفقر من المال ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه كا قال تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } وقال تعالى : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } وقد مدح الله تعالى في القرآن صنفين من الفقراء : أهل الصدقات وأهل الفيء
فقال في الصنف الأول : { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا }
وقال في الصنف الثاني وهم أفضل الصنفين : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون }
وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله باطنا وظاهرا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ المؤمن من أمنه الناس علىدمائهم وأموالهم ] و [ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ] [ والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ]


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 46 ]  


لا أصل لحديث : رجعنا من الجهاد الأصغر
وأما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله


جهاد الكفار من أعظم الجهاد
وجهاد الكفار من أعظم الأعمال بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان قال الله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما }


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 47 ]  


أفضل الإيمان
وقال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم }
وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر : ما أبالي أن أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال علي ابن أبي طالب : الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتما فقال عمر : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن إذا قضيت الصلاة سألته فسأله فأنزل الله تعالى هذه الآية
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قلت : يارسول الله أي الأعمال أفضل عند الله عز وجل ؟ قال : [ الصلاة على وقتها ] قلت : ثم أي ؟ قال : [ بر الوالدين ] قلت : ثم أي ؟ قال : [ الجهاد قي سبيل الله ] قال : حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه أنه سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : [ إيمان بالله وجهاد في سبيله ] قيل : ثم ماذا ؟ قال : [ حج مبرور ]
وفي الصحيحين أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله قال : [ لا تستطيعه أولا تطيقه ] قال فأخبرني به قال : [ هل تستطيع إذا خرجت مجاهدا أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر ؟ ]


حق الله على عباده
وفي السنن [ عن معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال : يامعاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ] وقال : [ يا معاذ إني لأحبك فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ] وقال له وهو رديفه : [ يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقهم عليه ألا يعذبهم ]
وقال أيضا لمعاذ : [ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ] وقال : [ يا معاذ ألا أخبرك بأبواب البر ؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل في جوف الليل ثم قرأ : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } ثم قال : يا معاذ ألا أخبرك بما هو أملك لك من ذلك ؟ فقال : امسك عليك لسانك هذا فأخذ بلسانه قال : يا رسول الله وإنا لمؤخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ]


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 48 ]  


ليس في السنة إفراط ولا تفريط
وتفسير هذا ما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ] فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه والصمت عن الشر خير من التكلم به فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء فذلك من البدع المذمومة أيضا كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال : ما هذا ؟ فقالوا : أبوإسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه ]
وثبت في الصحيحين عن أنس أن رجالا سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها فقالوا : وأينا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ثم قال أحدهم : أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر : أما أنا فأقوم ولا أنام وقال الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم وقال الاخر : أما أنا فلا أتزوج النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ما بال رجال يقول أحدهم : كذا وكذا ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ] أي سلك غيرها ظانا أن غيرها خير منها فمن كان كذلك فهو بريء من الله ورسوله وقال تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة


 أولياء الرحمن وأولياء الشيطان    [ جزء 1 - صفحة 49 ]  


هل يعصم الأولياء
فصل وليس من شرط ولي الله أن يكون معص






الكتاب :-
كتاب اولياء الرحمن واولياء الشيطان
لابن تيمية 
عدد الاجزاء : ١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق