كتاب الشرح الممتع،
ابن عثيمين،
باب نواقض الوضوء
النواقض: جمع ناقض؛ لأن "ناقض" اسم فاعل لغير العاقل، وجمع اسم الفاعل لغير العاقل على "فواعل".
والوضوء بالضم: الطهارة التي يرتفع بها الحدث، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به كما يقال: طهور بالفتح: لما يتطهر به، وبالضم لنفس الفعل، وسحور بالفتح: لما يتسحر به، وبالضم لنفس الفعل الذي هو الأكل.
ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته.
والنواقض نوعان:
الأول: مجمع عليه، وهوالمستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: فيه خلاف، وهو المبني على اجتهادات أهل العلم رحمهم الله .
وعند النزاع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قوله: "ينقض ما خرج من سبيل" هذا هو الناقض الأول من نواقض الوضوء.
وقوله: "ما خرج من سبيل" ما: اسم موصول بمعنى الذي، وهو للعموم، وكل أسماء الموصولات للعموم؛ سواء كانت خاصة، أم مشتركة، فالخاصة: هي التي تدل على المفرد، والمثنى، والجمع مثل: الذي، اللذين، الذين.
والمشتركة: هي الصالحة للمفرد وغيره مثل: "من"، "ما"، فقوله: "ما خرج من سبيل" يشمل كل خارج.
و "من سبيل" مطلق يتناول القبل، والدبر، وسمي "سبيلا"، لأنه طريق يخرج منه الخارج.
وقوله: "ما خرج" عام يشمل المعتاد وغيرالمعتاد؛ ويشمل الطاهر والنجس(1)، فالمعتاد كالبول، والغائط، والريح من الدبر، قال الله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط {المائدة: 6}.
وفي حديث صفوان بن عسال: "ولكن من بول، وغائط، ونوم"(2).
وفي حديث أبي هريرة ، وعبد الله بن زيـد ـ رضـي الله عنهما ـ: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا"(1).
وغير المعتاد: كالريح من القبل.
واختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا خرجت الريح من القبل؟
فقال بعضهم: تنقض وهو المذهب(2).
وقال آخرون: لا تنقض(3).
وهذه الريح تخرج أحيانا من فروج النساء، ولا أظنها تخرج من الرجال، اللهم إلا نادرا جدا.
وتنقض الحصاة إذا خرجت من القبل، أو الدبر؛ لأنه قد يصاب بحصوة في الكلى، ثم تنزل حتى تخرج من ذكره بدون بول.
ولو ابتلع خرزة، فخرجت من دبره، فإنه ينتقض وضوءه لدخوله في قوله: "ينقض ما خرج من سبيل".
ويشمل الطاهر: كالمني.
والنجس ما عداه من بول، ومذي، وودي، ودم.
وهذا هو الناقض الأول، وهو ثابت بالنص، والإجماع، إلا ما لم يكن معتادا، ففيه الخلاف(1).
قوله: "وخارج من بقية البدن إن كان بولا، أو غائطا" هذا هو الناقض الثاني من نواقض الوضوء.
وهو معطوف على "ما" أي: وينقض خارج من بقية البدن، إن كان بولا، أو غائطا، وهذا ممكن ولا سيما في العصور المتأخرة، كأن يجرى للإنسان عملية جراحية حتى يخرج الخارج من جهة أخرى.
فإذا خرج بول، أو غائط من أي مكان فهو ناقض، قل أو كثر.
وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط. وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله(2). وهذا قول جيد، بدليل: أنه إذا تقيأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوءه على القول الراجح، أو ينتقض إن كان كثيرا على المشهور من المذهب.
ويستثنى مما سبق من حدثه دائم، فإنه لا ينتقض وضوءه بخروجه؛ كمن به سلس بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصة في التطهر تأتي إن شاء الله(3).
وظاهر قوله: "إن كان بولا، أو غائطا" أن الريح لا تنقض إذا خرجت من هذا المكان الذي فتح عوضا عن المخرج، ولو كانت ذات رائحة كريهة، هذا ما مشى عليه المؤلف، وهو المذهب.
وقال بعض العلماء: إنهاتنقض الوضوء(1)، لأن المخرج إذا انسد وانفتح غيره كان له حكم الفرج في الخارج، لا في المس، لأن مسه لا ينقض الوضوء كما سيأتي إن شاء الله(2).
قوله: "أو كثيرا نجسا غيرهما" أي: أو كان كثيرا نجسا غير البول والغائط، فقيد المؤلف غير البول، والغائط بقيدين.
الأول: كونه كثيرا.
الثاني: أن يكون نجسا.
ولم يقيد البول والغائط بالكثير النجس؛ لأن كليهما نجس، ولأن قليلهما وكثيرهما ينقض الوضوء.
وقوله: "أو كثيرا" أطلق المؤلف الكثير، والقاعدة المعروفة: أن ما أتى، ولم يحدد بالشرع فمرجعه إلى العرف، كما قيل:
فالكثير: بحسب عرف الناس، فإن قالوا: هذا كثير، صار كثيرا، وإن قالوا: هذا قليل، صار قليلا.
وقال بعض العلماء: إن المعتبر عند كل أحد بحسبه(1)، فكل من رأى أنه كثير صار كثيرا، وكل من رأى أنه قليل صار قليلا.
وهذا القول فيه نظر؛ لأن من الناس من عنده وسواس، فالنقطة الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإذا خرج منه دم كثير قال: هذا قليل.
والصحيح الأول: أن المعتبر ما اعتبره أوساط الناس، فما اعتبروه كثيرا فهو كثير، وما اعتبروه قليلا فهو قليل.
وقوله: "نجسا غيرهما" نجسا: احترازا من الطاهر، فإذا خرج من بقية البدن شيء طاهر، ولو كثر فإنه غير ناقض كالعرق، واللعاب ودمع العين.
وقوله: "غيرهما" أي : غير البول والغائط، فدخل في هذا الدم، والقيء، ودم الجروح، وماء الجروح وكل ما يمكن أن يخرج مما ليس بطاهر.
فالمشهور من المذهب أنه إذا كان كثيرا إما عرفا، أو كل إنسان بحسب نفسه ـ على حسب الخلاف السابق ـ أنه ينقض الوضوء، وإن كان قليلا لم ينقض.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء، فأفطر، فتوضأ(1). وقد قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة {الأحزاب: 21} فلما توضأ بعد أن قاء فالأسوة الحسنة أن نفعل كفعله.
2ـ أنها فضلات خرجت من البدن فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذ حكمهما من كل وجه؛ لاختلاف المخرج، فتعطى حكمهما من وجه دون وجه، فالبول والغائط ينقض قليله وكثيره؛ لخروجه من المخرج، وغيرهما لا ينقض إلا الكثير.
وذهب الشافعي، والفقهاء السبعة(2) وهم المجموعون في قول بعضهم:
إذا قيـــل من في العلـم سبعــة أبحــر روايتهـم ليـست عن العلــــم خارجـــه
فقل: هم عبيد الله، عروة ، قاسم سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجه(1)
إلى أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قل أو كثر إلا البول والغائط. وهذا هو القول الثاني في المذهب(2)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(3)، واستدلوا بما يلي:
1ـ أن الأصل عدم النقض، فمن ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل.
2ـ أن طهارته ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.
ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأننا متعبدون بشرع الله، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب، ولا أن نرفع عنهم طهارة واجبة.
وأما الحديث الذي استدلوا به على نقض الوضوء فقد ضعفه كثير من أهل العلم. وأيضا: هو مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب؛ لأنه خال من الأمر. وأيضا: هو مقابل بحديث ـ وإن كان ضعيفا ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وصلى، ولم يتوضأ(1). وهذا يدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، وهذا هو القول الراجح.
قوله: "وزوال العقل" هذا هو الناقض الثالث من نواقض الوضوء وزوال العقل على نوعين:
الأول: زواله بالكلية، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون.
الثاني: تغطيته بسبب يوجب ذلك لمدة معينة كالنوم، والإغماء، والسكر، وما أشبه ذلك.
وزوال العقل بالجنون والإغماء والسكر هو في الحقيقة فقد له، وعلى هذا فيسيرها وكثيرها ناقض، فلو صرع ثم استيقظ، أو سكر، أو أغمي عليه انتقض وضوءه سواء طال الزمن أم قصر.
قوله: "إلا يسير نوم من قاعد وقائم" اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في النوم هل هو ناقض، أو مظنة النقض، على أقوال منها:
القول الأول: أن النوم ناقض مطلقا يسيره وكثيره(2)، وعلى أي صفة كان؛ لعموم حديث صفوان وقد سبق(1). ولأنه حدث، والحدث لا يفرق بين كثيره ويسيره كالبول.
القول الثاني: أن النوم ليس بناقض مطلقا(2)؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا ينتظرون العشاء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون"(3) وفي رواية البزار: "يضعون جنوبهم"(4).
القول الثالث ـ وهو المذهب ـ: أن النوم ليس بحدث ، ولكنه مظنة الحدث، ولا يعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيدا فيه الحدث(1)، ولهذا قال المؤلف: "إلا يسير نوم من قاعد وقائم".
القول الرابع ـ وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو الصحيح ـ: أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوءه أحس بنفسه، فإن وضوءه باق، وإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوءه(2).
وبهذا القول تجتمع الأدلة، فإن حديث صفوان بن عسال دل على أن النوم ناقض، وحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ دل على أنه غير ناقض.
فيحمل ما ورد عن الصحابة على ما إذا كان الإنسان لو أحدث لأحس بنفسه، ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه.
ويؤيد هذا الجمع الحديث المروي "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء"(3) فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فإن نومه ناقض، وإلا فلا.
وقوله: "إلا يسير نوم من قاعد وقائم" هذا استثناء من قول المؤلف: "وزوال العقل"، فخرج باليسير: الكثير، وخرج بقوله: "من قائم و قاعد" ما عداهما، فما عدا هاتين الحالين ينقض النوم فيها مطلقا.
فعلى هذا يكون النوم الكثير ناقضا مطلقا، والنوم اليسير ناقض أيضا إلا من قائم وقاعد .
واليسير يرجع فيه إلى العرف، فتارة يكون يسيرا في زمنه بحيث يغفل غفلة كاملة، وربما يرى في منام شيئا، لكنه شيء يسير؛ لأنه استيقظ سريعا، ولو خرج منه شيء لشمه.
وتارة يكون يسيرا في ذاته بحيث لا يغفل كثيرا في نومه، فمثلا يسمع المتكلمين، أو إذا كلمه أحد انتبه بسرعة، أو لو حصل له حدث لأحس به.
وظاهر قوله: "من قاعد وقائم" الإطلاق، ولكنهم استثنوا ما إذا كان محتبيا أو متكئا أو مستندا فإنه ينتقض وضوءه؛ لأنه في الغالب يستغرق في نومه، وإذا استغرق في نومه، فإنه قد يحدث ولا يحس بنفسه.
ولو أن رجلا نام وهو ساجد نوما خفيفا، فالمذهب: ينتقض وضوءه؛ لأنه ليس قاعدا ولا قائما.
وعلى القول الراجح: لا ينتقض إلا في حال لو أحدث لم يحس بنفسه.
قوله: "ومس ذكر متصل" هذا هو الناقض الرابع من نواقض الوضوء، والمس لا بد أن يكون بدون حائل؛ لأنه مع الحائل لا يعد مسا.
وقوله: "ذكر" أي: أن الذي ينقض الوضوء مس الذكر نفسه، لا ما حوله.
وقوله: "متصل" اشترط المؤلف أن يكون متصلا احترازا من المنفصل، فلو قطع ذكر إنسان في جناية، أو علاج، أو ما أشبه ذلك، وأخذه إنسان ليدفنه، فإن مسه لا ينقض الوضوء.
وأيضا: لابد أن يكون أصليا؛ احترازا من الخنثى؛ لأن الخنثى ذكره غير أصلي؛ لأنه إن تبين أنه أنثى فهو زائد، وإن أشكل فلا ينتقض الوضوء مع الإشكال.
قوله: "أو قبل" القبل للمرأة، ويشترط أن يكون أصليا ليخرج بذلك قبل الخنثى
قوله: "بظهر كفه أو بطنه" متعلق بـ "مس" أي: لا بد أن يكون المس بالكف، سواء كان بحرفه، أو بطنه، أو ظهره.
ونص المؤلف على ظهر الكف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المس بظهر الكف لا ينقض الوضوء(1)؛ لأن المس والإمساك عادة إنما يكون بباطن الكف.
والمس بغير الكف لا ينقض الوضوء؛ لأن الأحاديث الواردة في المس باليد كقوله صلى الله عليه وسلم : "من أفضى بيده إلى ذكره ليس بينهما ستر، فقد وجب عليه الوضوء".(2) واليد عند الإطلاق لا يراد بها إلا الكف لقوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما {المائدة: 38} أي: أكفهما.
واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في مس الذكر والقبل هل ينقض الوضوء أم لا؟ على أقوال،
القول الأول: وهو المذهب أنه ينقض الوضوء، واستدلوا بما يلي:
1ـ حديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ"(1).
2ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره؛ ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء".
وفي رواية: "إلى فرجه"(1).
3ـ أن الإنسان قد يحصل منه تحرك شهوة عند مس الذكر، أو القبل فيخرج منه شيء وهو لا يشعر، فما كان مظنة الحدث علق الحكم به كالنوم.
القول الثاني: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء(1)، واستدلوا بما يلي:
1ـ حديث طلق بن علي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره في الصلاة: أعليه وضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، إنما هو بضعة منك"(2).
2ـ أن الأصل بقاء الطهارة، وعدم النقض، فلا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل متيقن. وحديث بسرة وأبي هريرة ضعيفان، وإذا كان فيه احتمال؛ فالأصل بقاء الوضوء. قال صلى الله عليه وسلم : "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا"(1) فإذا كان هذا في السبب الموجب حسا، فكذلك السبب الموجب شرعا، فلا يمكن أن نلتفت إليه حتى يكون معلوما بيقين .
القول الثالث:أنه إن مسه بشهوة انتقض الوضوء وإلا فلا(2)، وبهذا يحصل الجمع بين حديث بسرة، وحديث طلق بن علي، وإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل الترجيح والنسخ؛ لأن الجمع فيه إعمال الدليلين، وترجيح أحدهما إلغاء للآخر.
ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما هو بضعة منك"(3) لأنك إذا مسست ذكرك بدون تحرك شهوة صار كأنما تمس سائر أعضائك، وحينئذ لا ينتقض الوضوء، وإذا مسسته لشهوة فإنه ينتقض؛ لأن العلة موجودة، وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك، فإذا مسه لشهوة وجب الوضوء، ولغير شهوة لا يجب الوضوء؛ ولأن مسه على هذا الوجه يخالف مس بقية الأعضاء.
قالوا ـ وهم يحاجون الحنابلة ـ : لنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إن مس المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنة الحدث.
وجمع بعض العلماء بينها بأن الأمر بالوضوء في حديث بسرة للاستحبـاب، والنفـي في حديـث طلـق لنفـي الوجـوب(1)؛ بدلـيل أنه سأل عن الوجوب فقال: "أعليه" وكلمة: "على" ظاهرة في الوجوب.
القول الرابع: وهو اختيار شيخ الإسلام أن الوضوء من مس الذكر مستحب مطلقا، ولو بشهوة(2) .
وإذا قلنا: إنه مستحب، فمعناه أنه مشروع وفيه أجر، واحتياط، وأما دعوى أن حديث طلق بن علي منسوخ، لأنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجده أول الهجرة(3)، ولم يعد إليه بعد. فهذا غير صحيح لما يلي:
1ـ أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن.
2ـ أن في حديث طلق علة لا يمكن أن تزول، وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع علته، والعلة هي قوله: "إنما هو بضعة منك" ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بضعة منه، فلا يمكن النسخ.
3ـ أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي، أوتقدم أخذه؛ لجواز أن يكون الراوي حدث به عن غيره.
بمعنى: أنه إذا روى صحابيان حديثين ظاهرهما التعارض، وكان أحدهما متأخرا عن الآخر في الإسلام، فلا نقول: إن الذي تأخر إسلامه حديثه يكون ناسخا لمن تقدم إسلامه، لجواز أن يكون رواه عن غيره من الصحابة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث به بعد ذلك.
والخلاصة: أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقا، سواء بشهوة أم بغير شهوة، وإذا مسه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدا، لكني لا أجزم به، والاحتياط أن يتوضأ.
قوله: "ولمسهما من خنثى مشكل" لمسهما: أي القبل والذكر. وقوله "من خنثى مشكل" هو الذي لا يعلم أذكر هو أم أنثى.
أي: إذا مس قبل الخنثى وذكره انتقض وضوءه؛ لأنه قد مس فرجا أصليا إذ إن أحدهما أصلي قطعا.
قوله: "ولمس ذكر ذكره" أي: لمس الذكر ذكر الخنثى لشهوة.
قوله: "أو أنثى قبله" أي: لمس الأنثى قبل الخنثى لشهوة.
قوله: "لشهوة فيهما" أي: فيما إذا مس الذكر ذكر الخنثى، أو الأنثى قبله.
مثاله: رجل خنثى، ورجل صحيح، هذا الصحيح مس ذكر الخنثى لشهوة فينتقض وضوءه.
والعلة: أنه لـما مس هذا الجزء من بدنه لشهوة، فإن كان أنثى فقد مسها لشهوة، ومس المرأ ة لشهوة ينقض الوضوء على المذهب كما سيأتي(1). وإن كان ذكرا فقد مس ذكره، ومس الذكر ينقض الوضوء، وعلى هذا يكون وضوءه منتقضا على كل تقدير. وإن مس الرجل فرج الخنثى لم ينتقض الوضوء، وإن كان بشهوة؛ لأن الخنثى إن كان ذكرا فقد مسه لشهوة، ومس الرجل الرجل لشهوة لا ينقض الوضوء، وإن كان أنثى فقد مس فرجها، لكن ليس لدينا علم الآن بأنه أنثى، بل فيه شك، فيبقى الوضوء على أصله، ولا ينتقض.
وإن كانت الأنثى مست قبل الخنثى لشهوة، فإنه ينتقض الوضوء.
مثاله: امرأة صحيحة عندها خنثى، فمست قبله لشهوة، فإنه ينتقض الوضوء.
والعلة: أنه إن كان الخنثى ذكرا، فقد مسته لشهوة، ومس المرأة الرجل لشهوة ينقض الوضوء، وإن كان أنثى فقد مست فرجها، ومس فرج المرأة ينقض الوضوء، وعلى هذا يكون وضوءها منتقضا على كل تقدير. والصور كما يلي:
1ـ مس أحد فرجي الخنثى المشكل بدون شهوة، فإنه لا ينقض مطلقا، سواء كان اللامس ذكرا أم أنثى.
2ـ مسهما جميعا ، فإنه ينتقض الوضوء مطلقا.
3ـ مس أحد فرجي الخنثى المشكل بشهوة؛ فله أربع حالات.
حالتان ينتقض الوضوء فيهما وهما:
1ـ أن يمس الذكر ذكره.2ـ أن تمس الأنثى فرجه.
وحالتان لا ينتقض الوضوء فيهما وهما:
1ـ أن يمس الذكر فرجه.2ـ أن تمس الأنثى ذكره.
قوله: "ومسه امرأة بشهوة". هذا هو الناقض الخامس من نواقض الوضوء.
والضمير في قوله: "ومسه" يعود على الرجل، أي: مس الرجل امرأة بشهوة؛ وظاهره العموم وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحر والعبد.
ولم يقيد المؤلف المس بكونه بالكف فيكون عاما، فإذا مسها بأي موضع من جسمه بشهوة انتقض وضوءه.
والباء في قوله "بشهوة" للمصاحبة، أي: مصحوبا بالشهوة.
وبعضهم يعبر بقوله: "لشهوة" باللام، فتكون للتعليل(1) ، أي مسا تحمل عليه الشهوة.
وقوله: "امرأة" المرأة هي البالغة، ولكن البلوغ هنا ليس بشرط، لكن قيده بعض العلماء ببلوغ سبع سنين، سواء من اللامس أم الملموس(2) . وفيه نظر؛ لأن الغالب فيمن كان له سبع سنوات أنه لا يدري عن هذه الأمور شيئا؛ ولهذا قيده بعض العلماء بمن يطأ مثله، ومن توطأ مثلها، أي: تشتهي(3) . والذي يطأ مثله من الرجال هو من له عشر سنوات، والتي توطأ مثلها من النساء هي من تم لها تسع سنوات، فعلى هذا يكون الحكم معلقا بمن هو محل الشهوة ، وهذا أصح؛ لأن الحكم إذا علق على وصف فلا بد أن يوجد محل قابل لهذا الوصف.
واختلف أهل العلم في هذا الناقض على أقوال:
القول الأول ـ وهو المذهب ـ: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء(1).
واستدلوا:
بقوله تعالى: أو لامستم النساء {المائدة: 6} وفي قراءة سبعية: "أو لمستم النساء"(2). والمس واللمس معناهما واحد، وهو الجس باليد أو بغيرها، فيكون مس المرأة ناقضا للوضوء.
الآية ليس فيها قيد الشهوة، إذ لم يقل الله "أو لامستم النساء بشهوة" فالجواب: أن مظنة الحدث هو لمس بشهوة، فوجب حمل الآية عليها، ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل، وكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تمد رجليها بين يديه، فإذا أراد السجود غمزها فكفت رجليها(3) ولو كان مجرد اللمس ناقضا لانتقض وضوء النبي صلى الله عليه وسلم واستأنف الصلاة.
ولأن إيجاب الوضوء بمجرد المس فيه مشقة عظيمة، إذ قل من يسلم منه، ولا سيما إذا كان الإنسان عنده أم كبيرة، أو ابنة عمياء وأمسك بأيديهما للإعانة أو الدلالة. وما كان فيه حرج ومشقة فإنه منفي شرعا.
القول الثاني: أنه ينقض مطلقا، ولو بغير شهوة، أو قصد(1).
واستدلوا: بعموم الآية.
وأجابو عن حديث عائشة: بأنه يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمسها بظفره، والظفر في حكم المنفصل، أو بحائل، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل الاستدلال به. وفي هذا الجواب نظر، وهذا ليس بصريح.
القول الثالث: أنه لا ينقض مس المرأة مطلقا، ولو الفرج بالفرج، ولو بشهوة(1).
واستدلوا:
1ـ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ (2) حدثت به ابن اختها عروة بن الزبير فقال: ما أظن المرأة إلا أنت، فضحكت.
وهذا حديث صحيح، وله شواهد متعددة، وهذا دليل إيجابي، وكون التقبيل بغير شهوة بعيد جدا.
2ـ أن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صحيح صريح على النقض.
3ـ أن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك وهذا دليل سلبي.
وأجابوا عن الآية:
بأن المراد بالملامسة الجماع لما يلي:
1ـ أن ذلك صح عن ابن عباس(1) رضي الله عنهما، الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله التأويل(2) وهو أولى من يؤخذ قوله في التفسير إلا أن يعارضه من هو أرجح منه.
2ـ أن في الآية دليلا على ذلك حيث قسمت الطهارة إلى أصلية وبدل، وصغرى وكبرى، وبينت أسباب كل من الصغرى والكبرى في حالتي الأصل والبدل، وبيـــان ذلـك أن الله تعــالى قــال: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين {المائدة: 6} فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى.
ثم قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا. وهذه طهارة بالماء أصلية كبرى.
ثم قال: وإن كنتـم مرضـى" أو عـلى" سفـر أو جــاء أحــد منكـم مـن الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا فقوله "فتيمموا" هذا البـدل، وقــوله: أو جـاء أحـد منـكم مـن الغائـط هذا بـيان سـبب الصغرى، وقوله: أو لامستم النساء هذا بيان سبب الكبرى.
ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت الله عن سبب الطهارة الكبرى مع أنه قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا وهذا خلاف البلاغة القرآنية.
وعليه؛ فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: أولامستم النساء أي: "جامعتم"، ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر، والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيها الطهارة الكبرى والصغرى.
فالراجح: أن مس المرأة، لا ينقض الوضوء مطلقا إلا إذا خرج منه شيء فيكون النقض بذلك الخارج.
قوله: "أو تمسه بها" ضمير المفعول في "تمسه" يعود على الرجل، أي: أو تمس المرأة الرجل بشهوة، فينتقض وضوءها.
والدليل على ذلك: القياس، فإذا كان مس الرجل للمرأة بشهوة ينقض الوضوء، فكذا مس المرأة للرجل بشهوة ينقض الوضوء، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية، وهذا قياس واضح جلي.
وعلم من قوله: "أو تمسه بها" أن المرأة لو مست امرأة لشهوة فلا ينتقض وضوءها، لأن المرأة ليست محلا لشهوة المرأة الأخرى كما أن الرجل ليس محلا لشهوة الرجل.
ويمكن أن نقول: إن المرأة إذا مست امرأة لشهوة انتقض وضوءها بالقياس على ما إذا مست الرجل بشهوة؛ لأن العلة واحدة، ويوجد من النسـاء من تتعلق رغـبتها بالشـابات، كمـا أنه يوجـد مـن الرجـال ـ والعياذ بالله ـ من تتعلق رغبتهم بالشباب، وما دامت العلة معقولة، فإن ما شارك الأصل في العلة، وجب أن يعطى حكمه، لكن سبق أن القول الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا ما لم يخرج منه شيء، فما تفرع عنه فهو مثله.
قوله: "ومس حلقة دبر". هذا من النواقض، ولا يحتاج إلى أن يخص؛ لأنه داخل في عموم مس الفرج، ولكن لما ذكر المؤلف "مس الذكر احتاج إلى أن يقول:"ومس حلقة دبر" ولو قال هناك: "مس الفرج" لكان أعم ولم يحتج إلى ذكر الدبر.
وقد روى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس فرجه فليتوضأ"(1) والدبر فرج ـ لأنه منفرج عن الجوف، ويخرج منه ما يخرج.
وعلى هذا فإنه ينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر، وهذا فرع من حكم مس الذكر فليرجع إليه لمعرفة الراجح في ذلك(2).
وقوله: "حلقة دبر" يخرج به ما لو مس ما قرب منها كالصفحتين، وهما جانبا الدبر، أو مس العجيزة، أو الفخذ، أو الأنثيين، فلا ينتقض الوضوء.
قوله: "لا مس شعر" أي: لا ينقض مس شعر ممن ينقض مسه كمس المرأة بشهوة على المذهب.
مثاله: رجل مس شعر امرأته بشهوة، ولم يخرج منه شيء، فإنه لا ينتقض وضوءه، لأن الشعر في حكم المنفصل، فكما لو مس خمارها لم ينتقض وضوءه ولو بشهوة، فكذا الشعر؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا حياة فيه.
قوله: "وظفر" يعني: لو مس ظفر من ينقض الوضوء مسه لم ينقض وضوءه(3).
مثاله:رجل مس ظفر امرأته لشهوة فإنه لا ينتقض وضوءه، سواء طال هذا الظفر، أم قصر.
وكذا السن، فلو مسه بشهوة لا ينتقض وضوءه، لأنه في حكم المنفصل ولا حياة فيه ولا شعور.
وقال ابن عقيل: إذا قلتم: إن هذه الثلاثة لا حياة فيها، فقولوا: إن المس بالعضو الأشل لا ينقض الوضوء أيضا، وأنتم تقولون بأنه ينقض(1).
قوله: "وأمرد" أي: لا ينقض الوضوء مس الأمرد، وهو من طر شاربه، أي: اخضر ولم تنبت لحيته؛ لأنه ليس محلا للشهوة، ولذا قال لوط لقومه: أتأتون الذكران من العالمين 165 وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم {الشعراء: 165، 166}.
فالذكر لم يخلق للذكر فهو كما لو مس بنت ثلاثة أشهر؛ لأن كلا منهما ليس محلا للشهوة.
وهذا القول ضعيف جدا، إذا قلنا بنقض الوضوء بمس المرأة لشهوة؛ لأن من الناس ـ والعياذ بالله ـ من قلب الله حسه وفطرته فأصبح يشتهي الذكور دون النساء، بل أشد.
وقوم لوط لما جاؤوا إلى لوط قال: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فقالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد {هود: 79} يقصدون الملائكة الذين أتوا في صورة شباب.
والصواب: أن مس الأمرد كمس الأنثى سواء، حتى قال بعض العلماء: إن النظر إلى الأمرد حرام مطلقا كالنظر إلى المرأة فيجب عليه غض البصر(1).
وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوة بالأمرد، ولو بقصد التعليم(2)؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم،وكم من أناس كانوا قتلى لهذا الأمرد، فأصبحوا فريسة للشيطان والأهواء، وهذه المسألة يجب الحذر منها.
ولهذا كان القول الراجح أن عقوبة اللوطي ـ فاعلا كان أو مفعولا به إذا كان راضيا ـ القتل بكل حال إذا كانا بالغين عاقلين، حتى وإن لم يكونا محصنين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، لكن اختلفوا كيف يقتل.(3)
فأبو بكر، وعبدالله بن الزبير، وخالد بن الوليد حرقوهم بالنار؛ لأن فعلتهم هذه من أقبح المنكرات، ولهذا قال الله في الزنا: ولا تقربوا الزنى" إنه كان فاحشة {الإسراء: 32} يعني: من الفواحش؛ لأن "فاحشة" نكرة.
وقال الله في اللواط: أتأتون الفاحشة {الأعراف: 80} فكأنها بلغت في الفحش غايته، وأعلاه.
والإمام يقتله بما يردع عن هذه الفعلة الخبيثة؛ لأنه لا يمكن التحرز منها إطلاقا، فالزنا يتحرز منه، فإذا رأينا رجلا معه امرأة غريبة، قلنا له: من هذه؟ أما الرجل مع الرجل فلا يمكن ذلك.
وهذا كما قالوا: إن قتل الغيلة موجب للقتل بكل حال، ولوعفا أولياء المقتول، لأنه لا يمكن التحرز منه(1).
قوله: "ولا مع حائل" أي: ولا ينقض مس مع حائل؛ لأن حقيقة المس الملامسة بدون حائل.
قوله: "ولا ملموس بدنه" يعني : ولا ينتقض وضوء ملموس بدنه، فلو أن امرأة مسها رجل بشهوة، فلا ينتقض وضوءها، وينتقض وضوء الرجل.
قوله: "ولو وجد منه شهوة" أي: ولو وجد من الملموس بدنه شهوة؛ فإن وضوءه لا ينتقض؛ وهذا غريب: أنه لا ينتقض وضوء الملموس.
مثاله: شاب قبل زوجته وهي شابة بشهوة، وهي كذلك بشهوة فيجب عليه الوضوء، ولا يجب عليها مع أن العلة واحدة.
ولهذا كان القول الصحيح في هذه المسألة: أن الملموس إذا وجد منه شهوة انتقض وضوءه؛ على القول بأن اللامس ينتقض وضوءه، وهو القياس.
قال الموفق ـ رحمه الله ـ : كل بشرتين حصل الحدث بمس إحداهما؛ فإن الطهارة تجب على اللامس والملموس، كالختانين فيه مجامع ومجامع، إذا التقى الختانان بدون إنزال منهما وجب الغسل عليهما جميعا(1).
وهذا الذي قاله الموفق ـ رحمه الله ـ هو الصواب؛ لكنه مبني على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء، وقد سبق أن الراجح أنه لا ينقض إلا أن يخرج منه شيء .
قوله: "وينقض غسل ميت" هذا هو الناقض السادس من نواقض الوضوء.
والغسل بالفتح: بمعنى التغسيل، وبالضم، المعنى الحاصل بالتغسيل، ومعنى: ينقض غسل ميت: أي: تغسيل ميت، سواء غسل الميت كله أو بعضه.
الثاني: ما رواه أنس في قصة العرنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها(1).. ولم يأمرهم أن يتوضؤوا من ألبانها، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدل ذلك على أن الوضوء منها مستحب.
(مسألة) الوضوء من مرق لحم الإبل.
المذهب: أنه غير واجب، ولو ظهر طعم اللحم؛ لأنه لم يأكل لحما.
وفيه وجه للأصحاب: أنه يجب الوضوء(2)؛ لوجود الطعم في المرق، كما لو طبخنا لحم خنزير، فإن مرقه حرام. وهذا تعليل قوي جدا. فالأحوط أن يتوضأ، أما إذا كان المرق في الطعام، ولم يظهر فيه أثره فإنه لا يضر.
فإن قيل: ما الحكمة من وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الحكمة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فهو حكمة.
قال تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم {الأحزاب: 36}
وقالت عائشة لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: "كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"(1).
ولأننا نؤمن ـ وو الحمد ـ أن الله لا يأمر بشيء إلا والحكمة تقتضي فعله، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركه.
الثاني: أن بعض العلماء التمس حكمة فقال: إن لحم الإبل شديد التأثير على الأعصاب، فيهيجها(2)؛ ولهذا كان الطب الحديث ينهى الإنسان العصبي من الإكثار من لحم الإبل، والوضوء يسكن الأعصاب ويبردها. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء عند الغضب(3)؛ لأجل تسكينه.
وسواء كانت هذه هي الحكمة أم لا؛ فإن الحكمة هي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن إن علمنا الحكمة فهذا فضل من الله وزيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التسليم والانقياد.
قوله: "وكل ما أوجب غسلا أوجب وضوءا" هذا هو الناقض الثامن من نواقض الوضوء وبه تمت النواقض.
أي: وكل الذي أوجب غسلا أوجب وضوءا. وهذا ضابط.
ولابد من معرفة موجبات الغسل حتى نعرف أن هذا الذي أوجب غسلا أوجب وضوءا، فيكون هذا إحالة على باب وسيأتي إن شاء الله(1).
فالحدث الأكبر يدخل فيه الحدث الأصغر.
مثال ذلك: خروج المني موجب للغسل، وهو خارج من السبيلين فيكون ناقضا للوضوء بقاعدة: أن ما خرج من السبيلين فهو ناقض.
وهذا الضابط في النفس منه شيء لقوله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا {المائدة: 6} فأوجب الله في الجنابة الغسل فقط، ولم يوجب علينا غسل الأعضاء الأربعة، فما أوجب غسلا لم يوجب إلا الغسل، إلا إن دل إجماع على خلاف ذلك، أو دليل.
ولهذا فالراجح: أن الجنب إذا نوى رفع الحدث كفى، ولا حاجة إلى أن ينوي رفع الحدث الأصغر.
قوله: "إلا الموت". فالموت موجب للغسل، ولا يوجب الوضوء بمعنى أنه لا يجب على الغاسل أن يوضئ الميت أولا.
فلو جاء رجل وغمس الميت في نهر ناويا تغسيله ثم رفعه فإنه يجزئ.
وهذا من غرائب العلم كيف ينفون وجوب الوضوء في تغسيل الميت مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها"(1).
والتعليل على المذهب لاستثناء الموت: أن الشارع إنما أمر بتغسيل الميت فقط.
فيقال: وكذا الشارع أمر بتغسيل الميت والبداءة بمواضع الوضوء منه.
فإن قالوا: إن الموت حدث لا يرتفع.
قلنا: ولكن الأثر الحاصل بتغسيله عندكم بمعنى ارتفاع الحدث، لأننا غسلناه وحكمنا بطهارته مع أن الحدث الموجب للطهارة ما زال باقيا، فيكون بمعنى ارتفاع الحدث.
ونحن نوافق أن الموت موجب للغسل، ولا يوجب الوضوء، لعدم الدليل الصريح على وجوب الوضوء. وإن كان يحتمل أن الوضوء واجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومواضع الوضوء منها"(1).
فالظاهر أن موجبات الغسل لا توجب إلا الغسل لعدم الدليل على إيجاب الوضوء.
قوله: "ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين" يعني: إذا تيقن أنه طاهر، وشك في الحدث فإنه يبني على اليقين، وهذا عام في موجبات الغسل، أو الوضوء.
مثاله: رجل توضأ لصلاة المغرب، فلما أذن العشاء وقام ليصلي شك هل انتقض وضوءه أم لا؟
فالأصل عدم النقض فيبني على اليقين وهو أنه متوضيء.
مثال آخر: استيقظ رجل فوجد عليه بللا، ولم ير احتلاما، فشك هل هو مني أم لا؟ فلا يجب عليه الغسل للشك.
ولو رأى عليه أثر المني وشك هل هو من الليلة البعيدة أم القريبة؟ يجعله من القريبة لأنها متيقنة، وما قبلها مشكوك فيه.
ودليل ذلك حديث أبي هريرة، وعبدالله بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ في الرجل يجد الشيء في بطنه، ويشكل عليه: هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا ، أو يجد ريحا"(1) وفي حديث أبي هريرة: "لا يخرج"(1) أي: من المسجد"حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"(1) مع أن قرينة الحدث موجودة، وهي ما في بطنه من القرقرة والانتفاخ.
وقوله: "أو بالعكس" يعني أن من تيقن الحدث وشك في الطهارة، فالأصل الحدث.
ويستدل لهذه المسألة بحديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد من باب قياس العكس.
وقياس العكس ثابت في الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: "نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه وزر؟" قالوا: نعم، فقال: "فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر"(1).
وكذا لو كان عليه جنابة، وشك هل اغتسل أم لا؟ فإنه يغتسل، ولا يتردد.
وهذه ـ أعني البناء على اليقين وطرح الشك ـ قاعدة مهمة، دل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا شك أحدكم في صلاته فليطرح الشك وليبن على ما استيقن"(2) ولها فروع كثيرة جدا في الطلاق والعقود وغيرهما من أبواب الفقه، فمتى أخذ بها الإنسان انحلت عنه إشكالات كثيرة، وزال عنه كثير من الوساوس والشكوك، وهذا من بركة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه.
وهو أيضا من يسر الإسلام وأنه لا يريد من المسلمين الوقوع في القلق والحيرة؛ بل يريد أن تكون أمورهم واضحة جلية، ولو استسلم الإنسان لمثل هذه الشكوك لتنغصت عليه حياته؛ لأن الشيطان لن يقف بهذه الوساوس والشكوك عند أمور الطهارة فقط ، بل يأتيه في أمور الصلاة والصيام وغيرهما، بل في كل أمور حياته؛ حتى مع أهله، فقطع الشارع هذه الوساوس من أصلها، وأمر بتركها، بل ودفعها حتى لا يكون لها أثر على النفس.
قوله: "فإن تيقنهما وجهل السابق". أي: تيقن أنه مر عليه طهارة وحدث تيقنهما جميعا، ولكن لا يدري أيهما الأول، فيقال له: ما حالك قبل هذا الوقت الذي تبين لك أنك أحدثت وتطهرت فيه؟
فإن قال: محدث، قلنا: أنت الآن متطهر. وإن قال: متطهر، قلنا: أنت الآن محدث.
مثاله: رجل متيقن أنه على وضوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد طلوع الشمس بساعة أراد أن يصلي الضحى، فقال: أنا متيقن أنه من بعد طلوع الشمس إلى الآن حصل مني حدث ووضوء، ولا أدري أيهما السابق. نقول: أنت الآن محدث.
وإن قال: أنا متيقن أني بعد صلاة الفجر نقضت الوضوء، وبعد طلوع الشمس حصل مني حدث ووضوء، نقول: أنت الآن طاهر.
والتعليل: أنه تيقن زوال تلك الحال إلى ضدها، وشك في بقائه، والأصل بقاؤه.
ففي الصورة الأولى تيقن أنه كان على وضوء إلى طلوع الشمس، ثم تيقن أنه أحدث بعد ذلك، ثم شك هل زال الحدث أم لا؟ فيقال: إنك محدث لأن الأصل بقاء الحدث الذي تيقنته، وهكذا.
فإن تيقن الطهارة والحدث؛ وجهل السابق منهما؛ وجهل حاله قبلهما؛ وجب عليه الوضوء؛ لأنه ليس هناك حال متيقنة ويحال الحكم عليها. وهذا هو المذهب.
وقال بعض العلماء: إنه يجب الوضوء مطلقا(1).
والتعليل: أنه تيقن أنه حصل له حالان، وهذان الحالان متضادان ولا يدري أيهما الأسبق، فلا يدري أيهما الوارد على الآخر فيتساقطان، وقد تيقن زوال تلك الحال الأولى، فيجب عليه الوضوء احتياطا كما لو جهل حاله قبلهما.
والقول بوجوب الوضوء أحوط، لأنه مثلا بعد طلوع الشمس متيقن أنه أحدث وتوضأ، ولا يدري الأسبق منهما، وفيه احتمال أنه توضأ تجديدا ثم أحدث، فصار يجب عليه الوضوء الآن، وإذا كان هذا الاحتمال واردا فلا يخرج من الشك إلا بالوضوء.
وهذا الوضوء إن كان هو الواجب فقد قام به، وإلا فهو سنة. والفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا قوي الشك فإنه يسن الوضوء؛ لأجل أن يؤدي الطهارة بيقين(1).
والحاصل أن الصور أربع وهي:
الأولى: أن يتيقن الطهارة ويشك في الحدث.
الثانية: أن يتيقن الحدث ويشك في الطهارة.
الثالثة: أن يتيقنهما ويجهل السابق منهما، وهو يعلم حاله قبلهما.
الرابعة: أن يتيقنهما ويجهل السابق منهما، وهو لا يعلم حاله قبلهما. وقد تبين حكم كل حال من هذه الأحوال.
وبهذا التقسيم وأمثاله يتبين دقة ملاحظة أهل العلم؛ وأنه لا تكاد مسألة تطرأ على البال إلا وذكروا لها حكما، وهذا من حفظ الله تعالى للشريعة، لأنه لولا هؤلاء العلماء الأجلاء الذين فرعوا على كتاب الله تعالى وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما فرعوا؛ لفاتنا كثير من هذه الفروع.
قوله: "ويحرم على المحدث مس المصحف". المصحف: ما كتب فيه القرآن سواء كان كاملا، أم غير كامل، حتى
المصدر :
كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع
للعلامة محمد بن صالح العثيمين
عدد المجلدات : ٧
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق