فصل في آيات الانبياء وبراهينهم
وهي الادلة والعلامات المستلزمة لصدقهم
والدليل لا يكون إلا مستلزما للمدلول عليه مختصا به لا يكون مشتركا بينه وبين غيره فإنه يلزم من تحققه تحقق للمدلول وإذا انتفى المدلول انتفى هو فما يوجد مع وجود الشيء ومع عدمه لا يكون دليلا عليه بل الدليل لا يكون الا مع وجوده فما وجد مع النبوة تارة ومع عدم النبوة تارة لم يكن دليلا على النبوة بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها وهنا اضطرب
النبوات [ جزء 1 - صفحة 31 ]
الناس فقيل دليلها جنس يختص بها وهو الخارق للعادة فلا يجوز وجوده لغير نبي لا ساحر ولا كاهن ولا ولي كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم كابن حزم وغيره وقيل بل الدليل هو الخارق للعادة بشرط الاحتجاج به على النبوة والتحدي بمثله وهذا منتف في السحر والكرامة كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي أهل الاثبات كالقاضيين أبي بكر وأبي يعلى وغيرهما وقد بسط القاضي أبو بكر الكلام في ذلك في كتابه المصنف في الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانات والسحر والنيرنجيات وهؤلاء جعلوا مجرد كونه خارقا للعادة هو الوصف المعتبر وفرق بين أن يقال لا بد أن يكون خارقا للعادة وبين أن يقال كونه خارقا للعادة هو المؤثر فإن الاول يجعله شرطا لا موجبا والثاني يجعله موجبا وفرق بين أن يقال العلم والبيان وقراءة القرآن لا يكون إلا من حي وبين أن يقال كونه حيا يوجب أن يكون عالما قارئا ومن هنا دخل الغلط على هؤلاء وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف بل ولا ذكر خرق العادة ولا لفظ المعجز وانما فيه آيات وبراهين وذلك يوجب اختصاصها بالانبياء
وأيضا فقالوا في شرطها أن لا يقدر عليها إلا الله لا تكون مقدورة للملائكة ولا للجن ولا للإنس بأن يكون جنسها مما لا يقدر عليه إلا الله كاحياء الموتى وقلب العصا حية واذا كانت من أفعال العباد لكنها خارقة للعادة مثل حمل الجبال والقفز من المشرق الى المغرب والكلام المخلوق الذي يقدر على مثله البشر ففيه لهم قولان أحدهما أن ذلك يصح أن يكون معجزة والثاني أن المعجزة انما هي إقدار المخلوق على ذلك بأن يخلق فيه قدرة خارجة عن قدرته المعتادة وهذا اختيار القاضي أبي بكر ومن اتبعه كالقاضي أبي يعلى وظنوا أن هذا يوجب طرد قولهم إنها لا تكون مقدورة لغير الله بخلاف القول الاول فانه تقع فيه شبهة اذ كان الجنس معتادا وانما الخارق هو الكثير الخارج عن العادة وهذا الفرق الذي ذكره ضعيف فإنه إذا كان قادرا على اليسير فخرق العادة في قدرته حتى جعله قادرا على الكثير فجنس القدرة معتاد مثل جنس المقدور وانما خرقت العادة بقدرة خارجة عن العادة كما خرقت بفعل خارج عن القدرة وعنده أن خلق القدرة خلق
النبوات [ جزء 1 - صفحة 32 ]
لمقدورها والقدرة عنده مع الفعل فلا فرق وهذا القول وهو أن المعجزة لا تكون إلا مقدورة للرب لا للعباد قول كثير من أهل الكلام من القدرية والمثبتة للقدر وغيرهم ثم انهم لما طولبوا بالدليل على أنه لا يجوز أن تقدر العباد على مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحو ذلك مما ذكروا أنه يمتنع أن يكون مقدورا لغير الله اعتمدوا في الدلالة على أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فلو جاز أن يكون العبد قادرا على هذه الامور لوجب أن لا يخلو من ذلك ومن ضده وهو العجز أو القدرة على ضد ذلك الفعل كما يقولونه في فعل العبد انه اذا لم يقدر على الفعل فلا بد أن يكون عاجزا أو قادرا على ضده هذا احتجاج من يقول القدرة مع الفعل والقدرة عنده لا تصلح للضدين كالاشعرية فيقول لا يخلو من القدرة أو العجز فهذه مقدمة والمقدمة الثانية ونحن لا نحس من أنفسنا عجزا عن إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحو هذه الامور لكنا غير قادرين عليها ولا يجوز أن نقدر عليها وهؤلاء يقولون لا يكون الشيء عاجزا إلا عما يصح أن يكون قادرا عليه بخلاف مالا يصح أن يكون قادرا عليه فلا يصح أن يكون عاجزا عنه ولهذا قالوا لا ينبغي أن تسمى هذه معجزات لان ذلك يقتضي أن الله أعجز العباد عنها وإنما يعجز العباد عما يصح قدرتهم عليه هذا كلام القاضي أبي بكر ومن وافقه وكلا المتقدمين دعوى مجردة لم يقم على واحدة منها حجة فكيف يجوز أن يكون الفرق بين المعجزة وغيرها مبنيا على مثل هذا الكلام الذي ينازعه فيه أكثر العقلاء ولو كان صحيحا لم يفهم إلا بكلفة ولا يفهمه إلا قليل من الناس فكيف اذا كان باطلا والذين آمنوا بالرسل لما رأوه وسمعوه من الآيات لم يتكلموا بمثل هذا الفرق بل ولا خطر بقلوبهم ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق كأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم حذفوا هذا القيد وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها وقالوا كل حادث فهو مقدور للرب وأفعال العباد هي أيضا مقدورة للرب وهو خالقها والعبد ليس خالقا لفعله فالاعتبار بكونها خارقة للعادة قد استدل بها على النبوة وتحدى بمثلها فلم يمكن أحدا معارضته هذه القيود الثلاثة وحذفوا ذلك القيد وزعم القاضي أبو بكر أن ما يستدل به على أن المعجزات يمتنع دخولها تحت قدرة العباد لا
النبوات [ جزء 1 - صفحة 33 ]
يصح على أصول القدرية وبسط القول في ذلك بكلام يصح بعضه دون بعض كعادته في أمثال ذلك ثم جعل هذا الفرق هو الفرق بين المعجزات وبين السحر والحيل فقال وأما على قولنا إن المعجز لا يكون إلا من مقدورات القديم ومما يستحيل دخوله ودخول مثله تحت قدرة العباد فاذا كان كذلك استحال أن يفعل أحد من الخلق شيئا من معجزات الرسل أو ما هو من جنسها لان المحتال إنما يحتال ويفعل ما يصح دخوله تحت قدرته دون ما يستحيل كونه مقدورا له قال وأما القائلون بأنه يجوز أن يكون في معجزات الرسل ما يدخل جنسه تحت قدرة العباد وان لم يقدروا على كثيره وما يخرق العادة منه فانهم يقولون قد علمنا انه لا حيلة ولا شيء من السحر يمكن أن يتوصل به الساحر والمشعبذ الى فعل الصعود في السماء ولا قفز من المشرق الى المغرب وقفز الفراسخ الكثيرة والمشي على الماء وحمل الجبال الراسيات هذا أمر لا يتم بحيلة محتال ولا سحر ساحر وتكلم على إبطال قول من قال ان السحر لا يكون إلا تخييلا لا حقيقة له وذكر أقوال العلماء والآثار عن الصحابة بأن الساحر يقتل بسحره وقول إنه يقتل حدا عند أكثرهم وقصاصا عند بعضهم ثم قال باب القول في الفصل بين المعجزة والسحر وهو لم يفرق بين الجنسين بل يجوز أن يكون ما هو معجزة للرسول يظهر على يد الساحر لكن قال الفرق هو تحدي الرسول بالاتيان بمثله وتقريع مخالفه بتعذر مثله عليه فمتى وجد الذي ينفرد الله بالقدرة عليه من غير تحد منه واحتجاج لنبوته بظهوره لم يكن معجزا واذا كان كذلك خرج السحر عن أن يكون معجزا ومشبها لآيات الانبياء وكان ما يظهر عند فعل الساحر من جنس بعض معجزات الرسل وما يفعله الله عند تحديهم به غير أن الساحر إذا احتج بالسحر وادعى به النبوة أبطله الله بوجهين أحدهما أن ينسيه عمل السحر أولا يفعل عند سحره شيئا في المسحور من موت أو سقم أو بغض ولم يخلق فيه الصعود الى جهة العلو والقدرة على الدخول في بقرة فاذا منعه هذه الاسباب بطل السحر والثاني أن الساحر تمكن معارضته فان أبواب السحر معلومة عند السحرة فاذا تحدى ساحر بشيء يفعل عند سحره لم يلبث أن يجد خلقا من السحرة يفعلون مثل فعله ويعارضونه بأدق وأبلغ مما أورده والرسول اذا ظهر عليه مثل ذلك وادعاه آية
النبوات [ جزء 1 - صفحة 34 ]
له قال لهم هذا آيتي وحجتي ودليل ذلك أنكم لا تقدرون على مثله ولا يفعله الله في وقتي هذا ومع تحدي ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر وفعل كاهن وقد كان يظهر من سحرتكم وكهانكم وهي آية لا تظهر اليوم على أحد من الخلق وان دق سحره وعظم في الكهانة علمه فاذا ظهر ذلك عليه وامتنع ظهور مثله على يد ساحر أو كاهن مع أنه قد كان يظهر من قبل صار هذا خرق عادة البشر وعادة السحرة والكهنة خاصة قال ولم يبعد أن يقال هذه الآية أعظم من غيرها وان لها فضل مزية ذكر هذا بعد أن قال فان قال قائل فاذا أجزتم أن يكون من عمل السحر ما يفعل الله عنده سقم الصحيح وموته ويفعل عنده بغض المحب وحب المبغض وبغض الوطن والرد اليه من السفر وضيق الصدر والعجز عن الوطء بالربط والشد الذي يعلمه السحرة والصعود في جهة العلو على خيط أو بعض الآلات في الفصل بين هذا وبين معجزات الرسل وكيف تنفصل مع ذلك المعجزات من السحر ويمكن الفرق بين النبي والساحر أو ليس لو قال نبي مبعوث أني أصعد على هذا الخيط نحو السماء وأدخل جوف هذه البقرة وأخرج وأني أفعل فعلا أفرق به بين المرء وزوجه وأفعل فعلا أقتل به هذا الحي وأسقم هذا الصحيح فهل كان يكون ذلك لو ظهر على يده آيه ودليلا على صدقه وما الفصل اذا بين السحر والمعجز ثم قال في الجواب يقال له جواب هذا قريب وذلك أنا قد بينا في صدر هذا الكتاب أن من حق المعجز ألا يكون معجزا حتى يكون واقعا من فعل الله على وجه خرق عادة البشر مع تحدي الرسول بالايتان الى آخر ما كتب
قلت هذا عمدة القوم ولهذا طعن الناس في طريقهم وشنع عليهم ابن حزم وغيره وذلك أن هذا الكلام مستدرك من وجوه
أحدها أنه إذا جوز أن يكون ما ينفرد الرب بالقدرة عليه على قوله يأتي به النبي تارة والساحر تارة ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوة والاستدلال به والتحدي بالمثل فلا حاجة الى كونه مما انفرد الباري بالقدرة عليه لا سيما وقد ظهر ضعف الفرق بين ما يمتنع قدرة العباد عليه وما لا يمتنع ولهذا أعرض المتأخرون عن هذا القيد
النبوات [ جزء 1 - صفحة 35 ]
الوجه الثاني وبه تنكشف حقيقة طريقهم انه على هذا لم تتميز المعجزات بوصف نختص به وانما امتازت باقترانها بدعوى النبوة وهذا حقيقة قولهم وقد صرحوا به فالدليل والبرهان إن استدل به كان دليلا وان لم يستدل به لم يكن دليلا وان اقترنت به الدعوى كان دليلا وان لم تقترن به الدعوى لم يكن دليلا عندهم ولهذا لم يجعلوا دلالة المعجز دلالة عقلية بل دلالة وضعية كدلالة الالفاظ بالاصطلاح وهذا مستدرك من وجوه منها أن كون آيات الانبياء مساوية في الحد والحقيقة لسحر السحرة أمر معلوم الفساد بالاضطرار من دين الرسل الثاني أن هذا من أعظم القدح في الانبياء إذا كانت آياتهم من جنس سحر السحرة وكهانة الكهان
الثالث أنه على هذا التقدير لا تبقى دلالة فان الدليل ما يستلزم المدلول ويختص به فاذا كان مشتركا بينه وبين غيره لم يبق دليلا فهؤلاء قدحوا في آيات الانبياء ولم يذكروا دليلا على صدقهم
الرابع أنه على هذا التقدير يمكن الساحر دعوى النبوة وقوله إنه عند ذلك يسلبه الله القدرة على السحر أو يأتي بمن يعارضه دعوى مجردة فان المنازع يقول لا نسلم أنه أذا ادعى النبوة فلا بد أن يفعل الله ذلك لا سيما على أصله وهو أن الله يجوز أن يفعل كل مقدور وهذا مقدور للرب فيجوز أن يفعله وادعى أن ما يخرق العادة من الامور الطبيعية والطلمسات هي كالسحر فقال ولاجل ذلك لم تلتبس آيات الرسل بما يظهر من جذب حجر المغناطيس وما يوجد ويكون عند كتب الطلمسات قال وذلك أنه لو ابتدأ نبي باظهار حجر المغناطيس لوجب أن يكون ذلك آية له ولو أن أحدا أخذ هذا الحجر وخرج الى بعض البلاد وادعى أنه آية له عند من لم يره ولم يسمع به لوجب أن ينقضه الله عليه بوجهين أحدهما أن يؤثر دواعي خلق من البشر الى حمل جنس تلك الحجارة الى ذلك البلد وكذلك سبيل الزناد الذي يقدح النار وتعرفه العرب وكذلك سبيل الطلمسات التي يقال انها تنفي الذباب والبق والحيات والوجه الآخر أن لا يفعل الله عند ذلك ما كان يفعله من قبل فيقال هذه دعوى مجردة
ومما يوضح ذلك الوجه الخامس وهو أن جعل قدح الزناد وجذب حجر
النبوات [ جزء 1 - صفحة 36 ]
المغناطيس والطلمسات من جنس معجزات الانبياء وأنه لو بعث نبي ابتداء وجعل ذلك آية له جاز ذلك غلط عظيم وعدم علم بقدر معجزات الانبياء وآياتهم وهذا إنما أتاهم حيث جعلوا جنس الخارق هو الآية كما فعلت المعتزلة وأولئك كذبوا بوجود ذلك لغير الانبياء وهؤلاء ما أمكنهم تكذيب ذلك لدلالة الشرع والاخبار المتواترة والعيان على وجود حوادث من هذا النوع فجعلوا الفرق افتراق الدعوى والاستدلال والتحدي دون الخارق ومعلوم أن ما ليس بدليل لا يصير دليلا بدعوى المستدل أنه دليل وقد بسط الكلام في ذلك وجوز أن تظهر المعجزات على يد كاذب إذا خلق الله مثلها على يد من يعارضه فعمدته سلامتها من المعارضة بالمثل مع أن المثل عنده موجود وآيات الانبياء لها أمثال كثيرة لغير الانبياء لكن يقول إن من ادعى الإتيان فإما أن لا يظهرها الله على يديه وإما أن يقيض من يعارضه بمثلها هذا عمدة القوم وليس فرقا حقيقيا بين النبي والساحر وانما هو مجرد دعوى
وهذا يظهر بالوجه السادس وهو أن من الناس من ادعى النبوة وكان كاذبا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق فلم يمنع منها ولم يعارضه أحد بل عرف أن هذا الذي أتى به ليس من آيات الانبياء وعرف كذبه بطرق متعددة كما في قصة الاسود العنسي ومسيلمة الكذاب والحارث الدمشقي وبابا الرومي وغير هؤلاء ممن ادعى النبوة فقولهم إن الكذاب لا يأتي بمثل هذا الجنس ليس كما ادعوه
الوجه السابع أنه إنما أوجب أن لا يظهر الله الخوارق على يد الكذاب لأن ذلك يفضي الى عجز الرب وهذه عمدة الاشعري في أظهر قوليه وهي المشهورة عند قدمائهم وهي التي سلكها القاضي أبو يعلى ونحوه قال القاضي أبو بكر فان قال قائل من القدرية فلم لا يجوز أن تظهر المعجزات على يد مدعي النبوة ليلبس بذلك على العباد ويضل به عن الدين وانتم تجوزون خلقه الكفر في قلوب الكفار وإضلالهم فما الفصل بين إضلالهم بهذا وبين اضلالهم باظهار المعجزات على يد الكاذبين قال فيقال لمن سأل عن هذا من القدرية الفصل بين الامرين ظاهر معلوم وقد نص القرآن والأخبار بأنه يضل ويهدي ويختم على القلوب والأسماع والأبصار فاما مطالبتهم بالفرق بين إضلال العباد بهذه الضروب من الأفعال وبين إضلالهم
النبوات [ جزء 1 - صفحة 37 ]
بإظهار المعجزات على أيدي الكذابين فجوابه أنا لم تحل إضلالهم بهذا الضرب لأنه إضلال عن الدين او لقبحه من الله لو وقع أو لاستحقاقه الذم عليه تعالى عن ذلك أو لكونه ظالما لهم بالتكليف مع هذا الفعل كل ذلك باطل محال من تمويههم وإنما احلناه لأنه يوجب عجز القديم عن تمييز الصادق من الكادب وتعريفنا الفرق بين النبي والمتنبي من جهة الدليل إذ لا دليل في قول كل أحد أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم إلا ظهور أعلام المعجزة على أيديهم أو خبر من ظهرت المعجزة على يده عن نبوة آخر مرسل فهذا إجماع لا خلاف فيه فلو أظهر الله على يد المتنبي الكاذب ذلك لبطلت دلائل النبوة وخرجت المعجزات عن كونها دلالة على صدق الرسول ولوجب لذلك عجز القديم عن الدلالة على صدقهم ولما لم يجز عجزه وارتفاع قدرته عن بعض المقدورات لم يجز لذلك ظهور المعجزات على أيدي الكذابين بخلاف خلق الكفر في قلوب الكافرين
قلت هذا عمدة القوم والمتأخرون عرفوا ضعف هذا فلم يسلكوه كأبي المعالي والرازي وغيرهما بل سلكوا الجواب الآخر وهو أن العلم بالصدق عند المعجز يحصل ضرورة فهو علم ضروري وبين ضعف هذا الجواب مع أنه يحتج به وقال فهذا هذا من وجوه أحدها أن يقال إن كان الامر كما زعمتم فانما يلزم العجز إذا كان خلق الدليل دال على صدقهم جنسه لا يدل بل جنسه يقع مع عدم النبوة ولم يبق عندكم جنس من الادلة يخص النبوة فلم قلتم إن تصديقهم والحال هذه ممكن ولا ينفعكم هذا الاستدلال بالاجماع ونحوه من الادلة السمعية لان كلامكم مع منكري النبوات فيجب أن تقيموا عليهم كون المعجزات دليلا على صدق النبي وأما من أقر بنبوتهم بطريق غير طريقكم فإنه لا يحتاج الى كلامكم فاذا قال لكم منكرو النبوة لا نسلم إمكان طريق يدل على صدقهم لم يكن معكم ما يدل على ذلك وقد أورد هذا السؤال وأجاب عنه بأنه يمكنه تصديقهم بالقول والمعجزات تقوم مقام التصديق بالقول بل التصديق بالفعل أوكد وضرب المثل بمدعي الوكالة اذا قال قم أو اقعد ففعل ذلك عند استشهاد وكيله فان العقلاء كلهم يعلمون أنه أقام تلك الأفعال مقام القول
النبوات [ جزء 1 - صفحة 38 ]
قلت وهذا يعود الى الاحتجاج بالطريقة الثانية وهي العلم بالتصديق ضرورة فلا حاجة الى طريقة المعجزات الثاني انه يمكن أن يخلق علما ضروريا بصدقهم وقد سلم القاضي أبو بكر ذلك لكن قال إذا اضطررنا الى العلم بصدق مدعي النبوة وأنه أرسله الينا كان في ضمن هذا العلم اضطراره لنا الى العلم بذاته والى أنه قد أرسل مدعي النبوة وإذا علمنا ذلك اضطرارا لم يكن للتكليف بالعلم بصدقه وجه وخرجنا بذلك عن أن نكون مكلفين بالعلم بالدين وهذا كلام يؤدي الى خروجنا عن حد المحنة والتكليف فيقال له اذا حصل العلم الضروري بوجود الخالق وبصدق رسوله كان التكليف بالاقرار بالصانع وعبادته وحده لا شريك له وبتصديق رسله وطاعة أمره وهذا هو الذي أمرت به الرسل أمرت الخلق أن يعبدوا الله وحده وأن يطيعوا رسله ولم يأمروا جميع الخلق بأن يكتسبوا علما نظريا بوجود الخالق وصدق رسله لكن من جحد الحق امروه بالاقرار به وأقاموا الحجة عليه وبينوا معاندته وأنه جاحد للحق الذي يعرفه وكذلك الرسول كانوا يعلمون أنه صادق ويكذبونه فليتدبر هذا الموضع فانه موضع عظيم الوجه الثالث أن يقال نحن نسلن أن المعجزات تدل على الصدق وأنه لا يجوز إظهارها على يد الكاذب لكن هو لأن الله منزه عن ذلك وأن حكمته تمنع ذلك ولا يجوز عليه كل فعل ممكن وأنتم مع تجويزكم عليه كل ممكن يلزمكم تجويز خلق المعجزة على يد الكاذب فما علم بالعقل والاجماع من امتناع ظهورها على يد الكاذب يدل على فساد أصلكم الوجه الرابع أن يقال لم قلتم إنه لا دليل على صدقهم إلا المعجزات وما ذكرتم من الاجماع على ذلك لا يصح الاستدلال به لوجهين أحدهما أنه لا إجماع في ذلك بل كثير من الطوائف يقولون إن صدقهم بغير المعجزات الثاني أنه لا يصح الاحتجاج بالاجماع في ذلك فان الاجماع إنما يثبت بعد ثبوت النبوة والمقدمات التي تعلم بها النبوة لا يحتج عليها بالاجماع وقولكم لا دليل سوى المعجز مقدمة ممنوعة وذكر عن الأشعري أنه ذكر جوابا آخر فقال وأيضا فإن قول القائل ما أنكرتم من جواز إظهار المعجزات على أيدي الكذابين قول متناقض والله على كل شيء قدير ولكن ما طالب السائل باجازته محال لا تصح القدرة عليه ولا العجز عنه لأنه بمنزلة كونه
النبوات [ جزء 1 - صفحة 39 ]
أظهر المعجزات على أيديهم فانه أوجب أنهم صادقون لان المعجز دليل على الصدق ومتضمن له وقوله مع ذلك إنهم كاذبون نقض لقوله إنهم صادقون قد ظهرت المعجزات على أيديهم فوجب إحالة هذه المطالبة وصار هذا بمثابة قول من قال ما أنكرتم من صحة ظهور الأفعال المحكمة الدالة على علم فاعلها والمتضمنة لذلك من جهة الدليل من الجاهل بها في أنه قول باطل متناقض فيجب اذا كان الامر كذلك استحالة ظهور المعجزات على يدي الكاذبين واستحالة ثبوت قدرة قادر عليه وكيف يصح على هذا الجواب أن يقال ما أنكرتم وزعمتم أنه من فعل المحال الذي لا يصح حدوثه وتناول القدرة له هو من قبيل الجائز قياسا على صحة خلق الكفر وضروب الضلال التي يصح حدوثها وتناول القدرة لها قلت هذا كلام صحيح اذا علم أنها دليل الصدق يستحيل وجوده بدون الصدق والممتنع غير مقدور فيمتنع أن يظهر على أيدي الكاذبين ما يدل على صدقهم لكن المطالب يقول كيف يستقيم على أصلكم أن يكون ذلك دليل الصدق وهو أمر حادث مقدور وكل مقدور يصح عندكم أن يفعله الله ولو كان فيه من الفساد ما كان فانه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن ولا يقبح منه فعل فحينئذ اذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق لم يكن ممتنعا على أصلكم وهي لا تدل على الصدق البتة على أصلكم ويلزمكم إذا لم يكن دليل إلهي ألا يكون في المقدور دليل على صدق مدعي النبوة فيلزم أن الرب سبحانه لا يصدق أحدا ادعى النبوة واذا قلتم هذا ممكن بل واقع ونحن نعلم صدق الصادق اذا ظهرت هذه الاعلام على يده ضرورة قيل فهذا يوجب أن الرب لا يجوز عليه إظهارها على يد كاذب وهذا فعل من الأفعال هو قادر عليه وهو سبحانه لا يفعله بل هو منزه عنه فأنتم بين أمرين ان قلتم لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعا فقد قلتم إنه لا يقدر على إحداث حادث قد فعل مثله وهذا تصريح بعجزه وأنتم قلتم فليست بدليل فلا يلزم عجزه فصارت دلالتها مستلزمة لعجزه على أصلكم وان قلتم يقدر لكنه لا يفعل فهذا حق وهو ينقض أصلكم وحقيقة الامر أن نفس ما يدل على صدق الصادق بمجموعه امتنع أن يحصل للكاذب وحصوله له ممتنع غير مقدور وأما خلق مثل تلك الخارقة على يد الكاذب فهو ممكن والله سبحانه وتعالى قادر عليه
النبوات [ جزء 1 - صفحة 40 ]
لكنه لا يفعله لحكمته كما أنه سبحانه يمتنع عليه أن يكذب أو يظلم والمعجز تصديق وتصديق الكاذب هو منزه عنه والدال على الصدق قصد الرب تصديق الصادق وهذا القصد يمتنع حصوله للكاذب فيمتنع جعل من ليس برسول رسولا وجعل الكاذب صادقا ويمتنع من الرب قصد المحال وهو غير مقدور وهو اذا صدق الصادق بفعله علم بالاضطرار والدليل أنه صدقه وهذا العلم يمتنع حصوله للكاذب واستشهادكم بالعلم هو من هذا الباب فانتم تقولون إن الرب لا يخلق شيئا لشيء وحينئذ فلا يكون قاصدا لما في المخلوقات من الإحكام فلا يكون الإحكام دالا على العلم على أصلكم فان الإحكام إنما هو جعل الشيء محصلا للمطلوب بحيث يجعل لأجل ذلك المطلوب وهذا عندهم لا يجوز فاثباته علمه وتصديق رسله مشروط بأن يفعل شيئا لشيء وهذا عندكم لا يجوز فلهذا يقال إنكم متناقضون والله سبحانه وتعالى أعلم
الوجه الثامن أن حقيقة الامر على قول هؤلاء الذين جعلوا المعجزة الخارق مع التحدي أن المعجز في الحقيقة ليس الا منع الناس من المعارضة بالمثل سواء كان المعجز في نفسه خارقا أو غير خارق وكثير مما يأتي به الساحر والكاهن أمر معتاد لهم وهم يجوزون أن يكون آية للنبي واذا كان آية منع الله الساحر والكاهن من مثل ما كان يفعل أو قيض له من يعارضه وقالوا هذا أبلغ فانه منع المعتاد وكذلك عندهم أحد نوعي المعجزات منعهم من الأفعال المعتادة وهو مأخذ من يقول بالصرفة واذا كان كذلك جاز أن يكون كل أمر كالأكل والشرب والقيام والقعود معجزة اذا منعهم أن يفعلوا كفعله وحينئذ فلا معنى لكونها خارقا ولا لاختصاص الرب بالقدرة عليها بل الاعتبار بمجرد عدم المعارضة وهم يقرون بخلاف ذلك والله أعلم
الوجه التاسع أنه اذا كانت المعجزة هي مجموع دعوى الرسالة مع التحدي فلا حاجة الى كونه خارقا كما تقدم ويجب اذا تحدى بالمثل أن يقول فليأت بمثل القرآن من يدعي النبوة فإن هذا هو المعجز عندهم وإلا كان القرآن مجردا ليس بمعجز فلا يطلب مثل القرآن إلا ممن يدعي النبوة كما في الساحر والكاهن اذا ادعى النبوة سلبه الله ذلك او قيض له من يعارضه وإذا لم يدع النبوة جاز أن يظهر على يده مثل ما يظهر على يد النبي فكذلك يلزمهم مثل هذا في القرآن وسائر المعجزات والله أعلم
النبوات [ جزء 1 - صفحة 41 ]
فصل في أن الرسول لا بد أن يبين أصول الدين
وهي البراهين الدالة على أن ما يقوله حق من الخبر والأمر فلا بد أن ي
المصدر :
كتاب : النبوات لابن تيمية
>> عدد الأجزاء= 1 <<
النبوات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق