الخميس، 6 مارس 2014

ابن عثيمين | الشرح الممتع باب السواك وسنن الوضوء

ابن عثيمين | الشرح الممتع
باب السواك وسنن الوضوء

السواك: فعال من ساك يسوك، أو من تسوك يتسوك، فهو على الثاني اسم مصدر يطلق على الآلة التي هي العود فيقال: هذا سواك من أراك، كما يقال: مسواك، ويطلق على الفعل ويقال: السواك سنة، أي: التسوك الذي هو الفعل.
وقوله: "باب السواك وسنن الوضوء": بعض العلماء قال: باب السواك وسنن الفطرة، والمناسبة أن السواك من الفطرة.
وبعضهم قال: باب السواك وسنن الوضوء؛ لأنه لما كان السـواك من سنن الوضوء قرن بقية السنن بالسواك، وإلا فالأصل أن السـنن تذكـر بعـد ذكـر الواجـبات والأركــان، كـمـا فعـلـوا ذلــك في كتـــاب الصـلاة، وإنمـا قدم السـواك علـى الوضـوء وهــو مـن سننه لوجهين:
الأول: أن السواك مسنون كل وقت، ويتأكد في مواضع أخرى غير الوضوء .
والثاني: أن السواك من باب التطهير فله صلة بباب الاستنجاء.
قوله: "التسوك بعود" التسوك مبتدأ، وخبره "مسنون". والجار والمجرور الذي هو "بعود" متعلق بالتسوك.
وقوله: "بعود" دخل فيه كل أجناس العيدان؛ سواء كانت من جريد النخل، أو من عراجينها، أو من أغصان العنب أو من غير ذلك، فهو جنس شامل لجميع الأعواد، وما بعد ذلك من القيود فإنها فصول تخرج بقية الأعواد.
فخرج بقوله: "عود" التسوك بخرقة، أو الأصابع فليس بسنة على ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب.
قوله: "لين" خرج به بقية الأعواد القاسية، فإنه لا يتسوك بها؛ لأنها لا تفيد فائدة العود اللين، وقد تضر اللثة إن أصابتها، والطبقة التي على العظم في الأسنان.
قوله: "منق" خرج به العود الذي لا شعر له، ويكـون رطبــا رطــوبة قوية، فإنه لا ينقي لكثرة مائه وقلة شعره التي تؤثر في إزالة الوسخ.
قوله: "غير مضر" احترازا مما يضر كالريحان، وكل ما له رائحة طيبة؛ لأنه يؤثر على رائحة الفم؛ لأن هذه الريح الطيبة تنقلب إلى ريح خبيثة.
قوله: "لا يتفتت" معناه لا يتساقط، لأنه إذا تساقط في فمك ملأه أذى.
قوله: "لا بأصبع" أي: لا يسن التسوك بالأصبع، ولا تحصل به السنة، سواء كان ذلك عند الوضوء أو لم يكن، هذا مقتضى إطلاق المؤلف.
وقال بعض العلماء؛ ومنهم الموفق صاحب "المقنع"، وابن أخيه شارح "المقنع": إنه يحصل من السنية بقدر ما حصل من الإنقاء(1).
وقد روي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ في صفة الوضوء أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أدخل بعض أصابعه في فيه..."(2) وهذا يدل على أن التسوك بالأصبع كاف، ولكنه ليس كالعود؛ لأن العود أشد إنقاء.
لكن قد لا يكون عند الإنسان في حال الوضوء شيء من العيدان يستاك به، فنقول له: يجزئ بالأصبع.
قوله: "أو خرقة" أي: لا يسن التسوك بالخرقة ولا تحصل به السنة، ومعناه: أن يجعل الخرقة على الأصبع ملفوفة ويتسوك بها، والإنقاء بالخرقة أبلغ من الإنقاء بمجرد الأصبع.
ولهذا قال بعض العلماء: إن كان الإصبع خشنا أجزأ التسوك به، وإن كان غير خشن لم يجزئ(1).
وتقدم أن الخرقة أبلغ في التنظيف. فمن قال: إن الأصبع تحصل به السنة قال: إن الخرقة من باب أولى.
(فائدة)
في الأصبع عشر لغات؛ ولذلك يقال: لا يغلط فيها أحد في الصرف؛ لأن الصاد ساكنة، والهمزة والباء مثلثتان، يعني يجوز فيها فتح الهمزة، وكسرها، وضمها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمها.
قال بعضهم ناظما تلك اللغات، ومضيفا إليها "أنملة":
وهمز أنملـة ثلــــث وثالثـــه التسع في أصبع، واختم بأصبوع
قوله: "مسنون" هذا خبر قوله "التسوك" والمسنون عند العلماء: كل عبادة أمر بها لا على سبيل الإلزام.
فقولنا: لا على سبيل الإلزام، لأنه إن كان على سبيل الإلزام فهو الواجب.
والدليل على سنية السواك: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"(2)
فقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم..." يدل على أنه ليس بواجب، لأنه لو كان واجبا لشق عليهم.
ولا يدل على أنه ليس بمسنون، أو ليس مأمورا به، بل لولا المشقة لكان واجبا لأهميته.
قوله: "كل وقت" أي : بالليـل والنهار، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: "السواك مطهرة للفم؛ مرضاة للرب"(1) فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقيد في وقت دون آخر.
وفي هذا فائدتان عظيمتان:
1ـ دنيوية، كونه مطهرة للفم.
2ـ أخروية، كونه مرضاة للرب.
وكل هذا يحصل بفعل يسير فيحصل على أجر عظيم، وكثير من الناس يمر عليه الشهران والثلاثة ولم يتسوك إما جهلا، أو تهاونا.
قوله: "لغير صائم بعد الزوال" أي: فلا يسن، وهذا يعم صيام الفرض والنفل.
وقوله: "بعد الزوال" أي: زوال الشمس، ويكون زوالها إذا مالت إلى جهة المغرب؛ لأنها أول ما تطلع من ناحية الشرق، فإذا توسطت السماء ثم زالت عنه فقد زالت.
قال أهل العلم ـ رحمهم الله ـ: علامة الزوال أن تنصب شاخصا؛ أي: شيئا مرتفعا، وتنظر إليه فما دام ظله ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدأ يزيد ولو شعرة فقد زالت(1).
والمشهور من المذهب كراهة التسوك بعد الزوال للصائم؛ والدليل:
1ـ قوله صلى الله عليه وسلم : "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي"(2) والعشي بعد الزوال.
2ـ قوله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك"(3) والخلوف ـ بضم الخاء ـ هو الرائحة الكريهة التي تكون بالفم عند خلو المعدة من الطعام، ولا يظهر في الغالب إلا في آخر النهار، لكن لما كان ناشئا عن طاعة الله صار أطيب عند الله من ريح المسك، وإذا كان أطيب عند الله من ريح المسك فإنه لا ينبغي أن يزال، بدليل أن دم الشهيد الذي عليه لا يزال، بل يجب أن يبقى عليه وأن يدفن في ثيابه وبدمائه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في شهداء أحد(1)، قالوا: فكل ما كان ناشئا عن طاعة الله فإنه لا ينبغي إزالته، ولذلك كره للصائم التسوك بعد الزوال، وأما قبل الزوال فقالوا: يستحب بيابس ويباح برطب. فجعلوا السواك للصائم على ثلاثة أوجه: مباح برطب قبل الزوال، ومسنون بيابس قبل الزوال، ومكروه بعد الزوال مطلقا(2). 
واستدلوا على أنه مسنون للصائم قبل الزوال: بعموم الأدلة.
وعلى أنه مباح برطب: أنه لرطوبته يخشى أن يتسرب منه طعم يصل إلى الحلق فيخل بصيامه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"(3).
وأما كونه مكروها بعد الزوال فاستدلوا: بالأثر والنظر السابقين؛ الدالين على الكراهة.
وقال بعض العلماء: إنه لا يكره للصائم مطلقا، بل هو سنة في حقه كغيره(1).
قال في "الإقناع" ـ وهو من كتب الحنابلة المتأخرين؛ وهو غالبا على المذهب ـ : "وهو أظهر دليلا"(2). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(3).
واستدلوا: بعموم الأدلة الدالة على سنية السواك؛ كحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ السابق(4)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن شيئا، والعام يجب إبقاؤه على عمومه، إلا أن يرد مخصص له، وليس لهذا العموم مخصص قائم.
وأما حديث علي فضعيف(5) لا يقوى على تخصيص العموم؛ لأن الضعيف ليس بحجة، فلا يقوى على إثبات الحكم، وتخصيص العموم حكم؛ لأنه إخراج لهذا المخصص عن الحكم العام؛ وإثبات حكم خاص به، فيحتاج إلى ثبوت الدليل المخصص، وإلا فلا يقبل.
وأما التعليل فعليل من وجوه:
الوجه الأول: أن الذين قتلوا في سبيل الله، أمرنا بأن نبقي دماءهم؛ لأنهم يبعثون يوم القيامة، الجرح يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فلا ينبغي أن يزال هذا الشيء الذي سيوجد يوم القيامة.
ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الذي مات في عرفة "كفنوه في ثوبيه"(1) ولهذا ينبغي فيمن مات محرما أن لا نطلب له خرقة جديدة، بل نكفنه في ثياب إحرامه التي عليه؛ لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يبعث يوم القيامة ملبيا"(1).
الوجه الثاني: أن ربط الحكم بالزوال منتقض؛ لأنه قد تحصل هذه الرائحة قبل الزوال؛ لأن سببها خلو المعدة من الطعام، وإذا لم يتسحر الإنسان آخر الليل فإن معدته ستخلو مبكرة؛ وهم لا يقولون: متى وجدت الرائحة الكريهة كره السواك؟!
الوجه الثالث: أن من الناس من لا توجد عنده هذه الرائحة الكريهة، إما لصفاء معدته، أو لأن معدته لا تهضم بسرعة، فتكون هذه العلة منتقضة، وإذا انتقضت العلة انتقض المعلول؛ لأن العلة أصل والمعلول فرع.
والراجح أن السواك سنة حتى للصائم قبل الزوال وبعده، ويؤيده حديث عامر بن ربيعة ـ الذي ذكره البخاري تعليقا ـ: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو وصائم، مالا أحصي أو أعد"(1).
قوله: "متأكد" خبر ثان، لقوله: "التسوك" وتعدد الأخبار جائز، قال تعالى: وهو الغفور الودود {البروج: 14} فالودود خبر ثان، ولا يجوز أن يكون صفة للغفور؛ لأن "الغفور" نفسه صفة بالمعنى العام، لا بالمعنى النحوي.
قوله: "عند صلاة" والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"(2) وكلمة "عند" في الحديث وفي كلام المؤلف تقتضي القرب، لأن العندية تقتضي قرب الشيء من الشيء، كما قال تعالى: إن الذين عند ربك {الأعراف: 206} وكما قال في الكتاب الذي كتبه فهو عنده فوق العرش(1).
فقوله صلى الله عليه وسلم: "عند كل صلاة" أي قربها، وكلما قرب منها فهو أفضل، وأما قول بعضهم: "عند الصلاة": إن المراد به الوضوء، فغير صحيح؛ لأن الوضوء قد يتقدم على الصلاة كثيرا، ثم إن للوضوء استياكا خاصا. وليس من شروط التسوك عند الصلاة أن يكون الفم وسخا.
وقوله: "عند صلاة" يشمل الفرض والنفل، وصلاة الجنازة لعموم الحديث(2)، أما سجود التلاوة فيبنى على الخلاف:
فإن قلنا: إنه صلاة ـ كما هو المشهور من المذهب ـ سن السواك له، وإلا فلا، وكذلك سجود الشكر.
ولكن نقول: إذا لم يكن متأكدا عند سجود التلاوة، فإنه داخل في أنه مسنون كل وقت، لكن لا نعتقد أنه مسنون من أجل هذا الشيء إذا قلنا: إن سجود التلاوة ليس بصلاة.
قوله: "وانتباه" أي: يتأكد السواك عند الانتباه من النوم، والدليل قول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك(1).
قال العلماء: معنى يشوص: يغسله ويدلكه بالسواك(2).
وظاهر كلام المؤلف: أنه يتأكد عند الانتباه من نوم الليل، ومن نوم النهار؛ لأنه قال: "وانتباه" ولم يخص بالليل.
ولا يصح أن يستدل بحديث حذيفة على تأكد السواك عند الانتباه من نوم النهار؛ لأن الدليل أخص، ولا يمكن أن يستدل بالأخص على الأعم. لكن يقال: إن حذيفة رأى النبي صلى الله عليه وسلم عند الانتباه من نوم الليل، ولا يمنع أن يكون ذلك أيضا عند الانتباه من نوم النهار؛ لأن العلة واحدة ، وهي تغير الفم بالنوم. فعلى هذا يتأكد كما قال المؤلف عند الانتباه من النوم مطلقا، بالدليل في نوم الليل، وبالقياس في نوم النهار.
واعلم أن القياس الواضح الجلي يعبر عنه بعض أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بالعموم المعنوي(3)، لأن العموم يكون بالألفاظ، وقد يكون بالمعاني، بمعنى أنا إذا تيقنا أو غلب على ظننا أن هذا المعنى الذي جاء به النص يشمل هذا المعنى الذي لم يدخل في النص لفظا؛ فإننا نقول: دخل فيه بالعموم المعنوي. وإذا قلنا: إنه ثبت بالقياس الجلي فالأمر واضح؛ لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين.
قوله: "وتغير فم" أي: يتأكد عند تغير الفم، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم"(1) فمقتضى ذلك أنه متى احتاج الفم إلى تطهير كان متأكدا.
قوله: "ويستاك عرضا" أي: عرضا بالنسبة للأسنان، وطولا بالنسبة للفم، وقال بعض العلماء: يستاك طولا بالنسبة للأسنان، لأنه أبلغ في التنظيف. 
ويحتمل أن يقال: يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فإذا اقتضت الحال أن يستاك طولا، استاك طولا، وإذا اقتضت أن يستاك عرضا استاك عرضا؛ لعدم ثبوت سنة بينة في ذلك. 
قوله: "مبتدئا بجانب فمه الأيمن" والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله"(2).
واختلف العلماء هل يستاك باليد اليمنى أو اليسرى(1) ؟
فقال بعضهم: باليمنى؛ لأن السواك سنة، والسنة طاعة وقربة و تعالى، فلا يكون باليسرى؛ لأن اليسرى تقدم للأذى، بناء على قاعدة وهي: أن اليسرى تقدم للأذى، واليمنى لما عداه.
وإذا كان عبادة فالأفضل أن يكون باليمين.
وقال آخرون: باليسار أفضل، وهو المشهور من المذهب؛ لأنه لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليسرى كالاستنجاء، والاستجمار.
وقال بعض المالكية: بالتفصيل، وهو إن تسوك لتطهير الفم كما لو استيقظ من نومه، أو لإزالة أثر الأكل والشرب فيكون باليسار؛ لأنه لإزالة الأذى(2).
وإن تسوك لتحصيل السنة فباليمين؛ لأنه مجرد قربة، كما لو توضأ واستاك عند الوضوء، ثم حضر إلى الصلاة قريبا فإنه يستاك لتحصيل السنة.
والأمر في هذا واسع لعدم ثبوت نص واضح.
قوله: "ويدهن غبا" الادهان: أن يستعمل الدهن في شعره.
وقوله: "غبا" يعني: يفعل يوما، ولا يفعل يوما، وليس لازما أن يكون بهذا الترتيب؛ فيمكن أن يستعمله يوما، ويتركه يومين، أو العكس، ولكن لا يستعمله دائما؛ لأنه يكون من المترفين الذين لا يهتمون إلا بشؤون أبدانهم، وهذا ليس من الأمور المحمودة ففي سنن أبي داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان ينهى عن كثيـر من الإرفـاه (1) أي لا ينبـغي أن يكثر من إرفاه نفسه، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن"(2) فالسمن يظهر من كثرة الإرفاه؛ لأن الذي لا يترف نفسه لا يسمن غالبا، وهذا يدل على أن كثرة الترف، ليست من الأمور المحمودة.
وترك الادهان بالكلية سيئ؛ لأن الشعر يكون شعثا ليس بجميل ولا حسن، فينبغي أن يكون الإنسان وسطا بين هذا وهذا.
قوله: "ويكتحل وترا" الكحل يكون بالعين.
وقوله: "وترا" يعني ثلاثة في كل عين.
قالوا: وينبغي أن يكتحل بالإثمد كل ليلة، وهو نوع من الكحل مفيد جدا للعين.
ومن أراد أن يعرف عنه فليقرأ: "زاد المعاد"(1) لابن القيم رحمه الله، وهو من أحسن الكحل تقوية للنظر.
ويقال: إن زرقاء اليمامة كانت تنظر مسيرة ثلاثة أيام بعينها المجردة، فلما قتلت نظروا إلى عينها فوجدوا أن عروق عينها تكاد تكون محشوة بالإثمد(2).
أما الاكتحال الذي لتجميل العين فهل هو مشروع للرجل أم للأنثى فقط؟
الظاهر أنه مشروع للأنثى فقط، أما الرجل فليس بحاجة إلى تجميل عينيه.
وقد يقال: إنه مشروع للرجل أيضا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: إن أحدنا يحب أن يكون نعله حسنا، وثوبه حسنا فقال: "إن الله جميل يحب الجمال"(3).
وقد يقال: إذا كان في عين الرجل عيب يحتاج إلى الاكتحال فهو مشروع له، وإلا فلا يشرع(1).
قوله: "وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر". أي: يقول: بسم الله، ويكون عند ابتدائه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"(2) فدل هذا على أنها واجبة، وأنها في البداية، وهذا المشهور؛ لأن التسمية على الشيء تكون عند فعله كما في قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه {الأنعام: 118}. وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه"(1) والتسمية على الذبيحة تكون عند الذبح قبل الشروع فيه، وهذا المشهور من المذهب؛ بناء على القاعدة المعروفة: "أن النفي يكون أولا لنفي الوجود، ثم لنفي الصحة، ثم لنفي الكمال". فإذا جاء نص في الكتاب أو السنة فيه نفي لشيء؛ فالأصل أن هذا النفي لنفي وجود ذلك الشيء، فإن كان موجودا فهو لنفي الصحة، ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي، فان لم يمكن ذلك بأن صحت العبادة مع وجود ذلك الشيء، صار النفي لنفي الكمال لا لنفي الصحة. 
مثال نفي الوجود: "لا خالق للكون إلا الله". 
مثال نفي الصحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب".
ومثال نفي الكمال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". 
فإذا نزلنا حديث التسمية في الوضوء على هذه القاعدة فإنها تقتضي أن التسمية شرط في صحة الوضوء، لا أنها مجرد واجب؛ لأن نفي الوضوء لانتفاء التسمية معناه نفي الصحة، وإذا انتفت صحة العبادة بانتفاء شيء كان ذلك الشيء شرطا فيها. ولكن المذهب أنها واجبة فقط وليست شرطا. وكأنهم عدلوا عن كونها شرطا لصحة الوضوء، لأن الحديث فيه نظر؛ ولهذا ذهب الموفق ـ رحمه الله ـ إلى أنها ليست واجبة بل سنة (1)؛ لأن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ قال: "لا يثبت في هذا الباب شيء"(1)، وإذا لم يثبت فيه شيء فلا يكون حجة.
ولأن كثيرا من الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا فيه التسمية، ومثل هذا لو كان من الأمور الواجبة التي لا يصح الوضوء بدونها لذكرت.
وإذا كان في الحمام، فقد قال أحمد: "إذا عطس الرجل حمد الله بقلبه" (2)، فيخرج من هذه الرواية أنه يسمي بقلبه.
وقوله: "مع الذكر" أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها تسقط بالنسيان وهو المذهب، فإن نسيها في أوله، وذكرها في أثنائه فهل يسمي ويستمر، أم يبتدئ؟ اختلف في هذه المسألة "الإقناع" و"المنتهى" ـ وهما من كتب فقه الحنابلة ـ فقال صاحب "المنتهى": يبتدئ (3)، لأنه ذكر التسمية قبل فراغه، فوجب عليه أن يأتي بالوضوء على وجه صحيح. 
وقاب صاحب "الإقناع": يستمر(1)؛ لأنها تسقط بالنسيان إذا انتهى من جملة الوضوء، فإذا انتهى من بعضه من باب أولى.
والمذهب ما في "المنتهى"، لأن المتأخرين يرون أنه إذا اختلف "الإقناع" و"المنتهى" فالمذهب "المنتهى".
وقال الفقهاء: تجب التسمية في الغسل(2)؛ لأنه إحدى الطهارتين فكانت التسمية فيه واجبة كالوضوء، ولأنها إذا وجبت في الوضوء وهو أصغر، وأكثر مرورا على المكلف فوجوبها في الحدث الأكبر من باب أولى.
وقالوا أيضا: تجب في التيمم(2)؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل. وقد يعارض في هذا فيقال: إن التيمم ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأن التيمم إنما يطهر فيه عضوان فقط: الوجه والكفان في الحدث الأصغر والأكبر، فلا يقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمم، لكن الاحتياط أولى فيسمي عند التيمم أيضا.
والمتأمل لحديث عمار بن ياسر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا"(1) يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة في التيمم.
والتسمية في الشرع قد تكون شرطا لصحة الفعل، وقد تكون واجبا، وقد تكون سنة، وقد تكون بدعة، فتكون شرطا لصحة الفعل كما في الذكاة والصيد، فلا تسقط على الصحيح لا عمدا، ولا جهلا، ولا سـهوا، فإذا ذبح، أو صاد ونسي التسمية؛ صار المذبوح والصيد حراما.
والمذهب: إذا رمى صيدا ونسي أن يسمي صار حراما، وإن ذبح ونسي أن يسمي صار حلالا (2)! وهذا من غرائب العلم، فإن الصيد أولى بالعذر؛ فكيف يعذر الناس في الذبيحة، ولا يعذرون في الصيد؟! مع أن الغالب أن الإنسان إذا رأى صيدا يستعجل وينسى التسمية. ودليل المذهب ـ على أن التسمية لا تسقط في الصيد سهوا ـ قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل"(3) ومقتضى ذلك أنك إذا لم تذكر اسم الله فلا تأكل.
فنقول: هو أيضا قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السن والظفر"(1) وأي فرق بين هذا وهذا؟
لا فرق، فجعل حل المذكاة مشروطا بالتسمية وإنهار الدم، كما جعل الصيد مشروطا بالإرسال والتسمية، وحينئذ لا يتجه التفريق بينهما، وأيضا: فكما أنه لو نسي وذبح الذبيحة بصعق كهربائي، فإنها ميتة لا تحل، فكذلك إذا نسي ولم يسم فهي ميتة لا تحل.
فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا {البقرة: 286} ؟
قلنا: بلى؛ فالذي نسي أن يسمي على الذبيحة ليس عليه إثم، لكن من أكل منها متعمدا فإنه آثم لأن الله يقول: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه {الأنعام: 121} فنهى عن الأكل، لكن إذا أكل جاهلا، أو ناسيا فلا إثم عليه لقوله تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا {البقرة: 286} وهذا اختيار شيخ الإسلام(2) رحمه الله.
فإن قيل: إن ذلك يترتب عليه إتلاف لأموال المسلمين، وقد تكون نوقا ثمينة؛ فهل يؤمر صاحبها بجرها للكلاب إذا نسي التسمية؟ قلنا: لو نسي مرة فحرمناها عليه؛ فإنه لا يمكن أن ينسى بعد ذلك.
وتكون التسمية واجبة كما في الوضوء.
وتكون مستحبة كالتسمية عند الأكل على رأي الجمهور (1)، وقال بعض العلماء: إنها واجبة (1) وهو الصحيح.
وتكون بدعة كما لوسمى عند بدء الأذان مثلا، إذا أراد أن يؤذن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وكذا عند الصلاة.
أما عند قراءة القرآن فتقرأ في أول السورة، وأما في أثناء السورة فقال بعض العلماء: يستحب أن يقول: بسم الله (2).
ورد بعض العلماء هذا ـ وهو الصحيح ـ وقال: إن الله لم يأمرنا عند قراءة القرآن إلا أن نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإذا أردت أن تقرأ في أثناء السورة فلا تسم (2).
قوله: "ويجب الختان ما لم يخف على نفسه". أول من سن الختان إبراهيم عليه السلام(3).
وهو بالنسبة للذكر: قطع الجلدة التي فوق الحشفة.
وبالنسبة للأنثى: قطع لحمة زائدة فوق محل الإيلاج، قال الفقهاء رحمهم الله: إنها تشبه عرف الديك.
وظاهر كلام المؤلف: أنه واجب على الذكر والأنثى، وهو المذهب. وقيل: هو واجب على الذكر دون الأنثى، واختاره الموفق(1) رحمه الله.
وقيل: سنة في حق الذكور والإناث(1).
وقد أطال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في "تحفه المودود"(1) في حجج الاختلاف، ولم يرجح شيئا!، وكأنه ـ والله أعلم ـ لم يترجح عنده شيء في هذه المسألة. 
وأقرب الأقوال: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء. ووجه التفريق بينهما: أنه في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت هذه الجلدة، فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع، وصار سببا في الاحتراق والالتهاب، وكذلك كلما تحرك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجس بذلك.
وأما في حق المرأة فغاية فائدته: أنه يقلل من غلمتها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى.
ولا بد من وجود طبيب حاذق يعرف كيف يختن، فإن لم يوجد فإنه يختن نفسه إذا كان يحسن، وإبراهيم ـ عليه السلام ـ ختن نفسه(2).
واشترط المؤلف أن لا يخاف على نفسه، فإن خاف على نفسه من الهلاك، أو الضرر، فإنه لا يجب، وهذا شرط في جميع الواجبات؛ فلا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر.
ويجوز للخاتن أن ينظر إلى عورة المختون، ولو بلغ عشر سنين، وذلك للحاجة، والدليل على وجوبه في حق الرجال:
1ـ قوله صلى الله عليه وسلم : "خمس من الفطرة" وذكر منها الختان(1).
2ـ أمره صلى الله عليه وسلم من أسلم أن يختتن (2)، وهذا يدل على الوجوب.
3ـ أن الختان ميزة بين المسلمين والنصارى؛ حتى كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بالختان، فالمسلمون والعرب قبل الإسلام واليهود يختتنون، والنصارى لا يختتنون، وإذا كان ميزة فهو واجب.
4ـ أنه قطع شيء من البدن، وقطع شيء من البدن حرام، والحرام لا يستباح إلا بالواجب.
5ـ أنه يقوم به ولي اليتيم، وهو اعتداء عليه، واعتداء على ماله، لأنه سيعطي الخاتن أجرة من ماله غالبا، فلولا أنه واجب لم يجز الاعتداء على مال اليتيم وبدنه.
وأما بالنسبة للمرأة فأقوى الأقوال أنه سنة(1).
ويدل له قولـه صلى الله عليه وسلم : "الختان سنـة في حـــق الرجـال، مكرمة في حق النساء" (1)لكنه ضعيف، ولو صح لكان فاصلا.
قوله: "ويكره القزع" القزع: حلق بعض الرأس، وترك بعضه، وهو أنواع:
1ـ أن يحلق غير مرتب، فيحلق من الجانب الأيمن، ومن الجانب الأيسر، ومن الناصية، ومن القفا.
2ـ أن يحلق وسطه ويترك جانبيه.
3ـ أن يحلق جوانبه ويترك وسطه، قال ابن القيم رحمه الله: "كما يفعله السفل"(2).
4ـ أن يحلق الناصية فقط ويترك الباقي.
والقزع مكروه(3)؛ لأن النـبي صلى الله عليه وسلم رأى غلاما حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: "احلقوا كله، 
أو اتركوه كله"(1). إلا إذا كان فيه تشبه بالكفار فهو محرم، لأن التشبه بالكفار محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم"(2) وعلى هذا فإذا رأينا شخصا قزع رأسه فإننا نأمره بحلق رأسه كله، ثم يؤمر بعد ذلك إما بحلقه كله أو تركه كله.
قوله: "ومن سنن الوضوء" السنن: جمع سنة، وتطلق على الطريقة، وهي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولا فرق في هذا بين الواجب والمستحب، فالواجب يقال له: سنة، والمستحب يقال له: سنة.
مثال الواجب: قول أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا"(3).
ومثال المستحب: حديث ابن الزبير رضي الله عنه: "صف القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة"(1).
وأما عند الفقهاء والأصوليين ـ رحمهم الله تعالى ـ: فهي ما سوى الواجب؛ أي: الذي أمر به لا على سبيل الإلزام.
حكمها: أنه يثاب فاعلها امتثالا، ولا يعاقب تاركها.
قوله: "السواك" تقدم أنه يتأكد عند الوضوء، ودليله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء"(2).
قوله: "وغسل الكفين ثلاثا" لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ بدأ بغسل الكفين ثلاثا (1)، ولأنهما آلة الغسل فإن بهما ينقل الماء، وتدلك الأعضاء، فكان الأليق أن يتقدم تطهيرهما.
فإن قيل: لماذا لا يقال: إن غسلهما واجب لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب: أن الله يقول: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم {المائدة: 6} ولم يذكر الكفين.
قوله: "ويجب من نوم ليل". الضمير في قوله: "يجب" يعود على غسل الكفين ثلاثا، وهذا إذا أراد أن يغمسهما في الإناء.
والدليل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء؛ حتى يغسلها ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"(2).
وقوله: "من نوم ليل" خرج به نوم النهار، فلا يجب غسل الكفين منه.
فإن قال قائل: قوله في الحديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" فإن "نومه" مفرد مضاف فيشمل كل نوم.
وأيضا قوله: "إذا استيقظ" ظرف يشمل آناء الليل وآناء النهار، فلماذا يخص بالليل؟
فأجابوا: أنه يخص بالليل لتعليله صلى الله عليه وسلم في قوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" والبيتوتة لا تكون إلا بالليل(1). وهذا من باب تخصيص العام بالعلة، لأنه صلى الله عليه وسلم لـما علل بعلة لا تصلح إلا لنوم الليل صار المراد بالعموم في قوله: "من نومه" نوم الليل، فهو عام أريد به الخاص.
قوله: "ناقض لوضوء" احترازا مما لو لم يكن ناقضا.
والنوم الناقض على المذهب: كل نوم إلا يسير نوم من قائم، أو قاعد(2). والصحيح أن المدار في نقض الوضوء على الإحساس، فما دام الإنسان يحس بنفسه لو أحدث فإن نومه لا ينقض وضوءه، وإذا كان لا يحس بنفسه لو أحدث فإن نومه ينقض وضوءه(2).
وهذا الذي ذكره الفقهاء هنا حيث قالوا: "ناقض لوضوء" يؤيد أن الراجح أن النوم الناقض للوضوء ما فقد به الإنسان إحساسه.
ووجهه: أن قوله: "فإن أحدكم لا يدري" معناه أن إحساسه مفقود، وعلى هذا إذا كان يدري بحيث لم يفقد إحساسه فإنه لا ينتقض وضوءه، مع أن الفقهاء في باب نواقض الوضوء يخالفون ذلك.
قوله: "والبداءة بمضمضة ثم استنشاق" أي: ومن سنن الوضوء البداءة بمضمضة ثم استنشاق، وهذا بعد غسل الكفين، والأفضل أن يكون ثلاث مرات بثلاث غرفات.
والمضمضة هي : إدارة الماء في الفم.
والاستنشاق هو: جذب الماء بالنفس من الأنف.
والبدء بهما قبل غسل الوجه أفضل، وإن أخرهما بعد غسل الوجه جاز.
ولم يذكر المؤلف الاستنثار؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا استنشق الماء أنه يستنثره، وإلا فلابد من الاستنثار، إذ لا تكتمل السنة إلا به، كما أنها لا تكتمل السنة بالمضمضة إلا بمج الماء، وإن كان لو ابتلعه لعد متمضمضا، لكن الأفضل أن يمجه؛ لأن تحريك الماء بالفم يجعل الماء وسخا لما يلتصق به من فضلات كريهة بالفم.
قوله: "والمبالغة فيهما لغيرصائم". "فيهما" أي: ومن سنن الوضوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق، والمبالغة في المضمضة: أن تحرك الماء بقوة وتجعله يصل كل الفم، والمبالغة في الاستنشاق: أن يجذبه بنفس قوي.
ويكفي في الواجب أن يدير الماء في فمه أدنى إدارة، وأن يستنشق الماء حتى يدخل في مناخره.
والمبالغة مكروهة للصائم، لأنها قد تؤدي إلى ابتلاع الماء ونزوله من الأنف إلى المعدة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما"(1).
وإذا كان في الإنسان جيوب أنفية، ولو بالغ في الاستنشاق احتقن الماء بهذه الجيوب وآلمه، أو فسد الماء وأدى إلى صديد أو نحو ذلك، ففي هذه الحال نقول له: لا تبالغ درءا للضرر عن نفسك.
قوله: "وتخليل اللحية الكثيفة". أي: ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة، واللحية إما خفيفة، وإما كثيفة.
فالخفيفة هي التي لا تستر البشرة، وهذه يجب غسلها وما تحتها؛ لأن ما تحتها لـما كان باديا كان داخلا في الوجه الذي تكون به المواجهة، والكثيفة: ما تستر البشرة، وهذه لا يجب إلا غسل ظاهرها فقط، وعلى المشهور من المذهب يجب غسل المسترسل منها.
وقيل: لا يجب كما لا يجب مسح ما استرسل من الرأس(2)، والأقرب في ذلك الوجوب(3)، والفرق بينها وبين الرأس: أن اللحية وإن طالت تحصل بها المواجهة؛ فهي داخلة في حد الوجه، أما المسترسل من الرأس فلا يدخل في الرأس لأنه مأخوذ من الترؤس وهو العلو، وما نزل عن حد الشعر، فليس بمترئس. 
باب فروض الوضوء وصفته
الفروض: جمع فرض، وجمعها مع أن القاعدة عند النحويين أن المصدر لا يجمع، ولا يثنى، ولكن جمعها باعتبار تعددها، أو على تقدير أن المصدر بمعنى اسم المفعول أي: مفروضات الوضوء.
والفرض في اللغة يدل على معان أصلها: الحز والقطع، فالحز قطع بدون إبانة، والقطع حز مع إبانة .
والفرض في الشرع عند أكثر العلماء مرادف للواجب، أي بمعناه، وهو ما أمر به على سبيل الإلزام. يعني : أمر الله به ملزما إيانا بفعله.
وحكمه: أن فاعله امتثالا مثاب، وتاركه مستحق للعقاب.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: الفرض ما كان ثابتا بدليل قطعي الثبوت والدلالة.
والواجب: ما ثبت بدليل ظني الثبوت أو الدلالة(1).
ومثلوا لذلك: بقراءة شيء من القرآن؛ فإنه فرض في الصلاة، لقوله تعالى: فاقرءوا ما تيسر من القرآن {المزمل: 20} .
وقراءة الفاتحة واجب ولا يسمى فرضا؛ لأن قراءتها من أخبار الآحاد، وعند كثير من الأصوليين وغيرهم، أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن.
والمراد بفروض الوضوء هنا أركان الوضوء.
وبهذا نعرف أن العلماء ـ رحمهم الله ـ قد ينوعون العبارات، ويجعلون الفروض أركانا، والأركان فروضا.
والدليل على أن الفروض هنا الأركان: أن هذه الفروض هي التي تتكون منها ماهية الوضوء، وكل أقوال أو أفعال تتكون منها ماهية العبادة فإنها أركان.
والوضوء في اللغة: مشتق من الوضاءة، وهي النظافة والحسن.
وشرعا: التعبد و ـ عز وجل ـ بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
فإن قيل: هذا حد غير صحيح، لقولك: بغسل الأعضاء، والرأس لا يغسل؟
فالجواب: أن هذا من باب التغليب.
وقوله: "وصفته" معطوفة على فروض، وليست معطوفة على وضوء، يعني: وباب صفة الوضوء.
والصفة: هي الكيفية التي يكون عليها.
وللوضوء صفتان: صفة واجبة، وصفة مستحبة.
قوله: "فروضه ستة" دليل انحصارها في ذلك هو التتبع.
قوله: "غسل الوجه" هذا هو الفرض الأول، وخرج به المسح، فلابد من الغسل، فلو بللت يدك بالماء ثم مسحت بها وجهك لم يكن ذلك غسلا.
والغسل: أن يجري الماء على العضو.
وقوله: "الوجه" هو ما تحصل به المواجهة، وحده طولا: من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وعرضا من الأذن إلى الأذن.
وقولنا: من منحنى الجبهة؛ هو بمعنى قول بعضهم: من منــابت شعر الرأس المعتاد(1)؛ لأنه يصل إلى حد الجبهة وهو المنحنى، وهذا هو الذي تحصل به المواجهة؛ لأن المنحنى قد انحنى فلا تحصل به المواجهة والدليل قوله تعالى: 
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم {المائدة: 6}. وقد سبق حكم مسترسل اللحية(2).
قوله: "والفم والأنف منه" أي: من الوجه؛ لوجودهما فيه فيدخلان في حده، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء؛ لكنهما غير مستقلين؛ فهما يشبهان قوله صلى الله عليه وسلم : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة، وأشار بيده على أنفه"(1) وإن كانت المشابهة ليست من كل وجه.
قوله: "وغسل اليدين" هذا هو الفرض الثاني، وأطلق المؤلف ـ رحمه الله ـ لفظ اليدين، ولكن يجب أن يقيد ذلك بكونه إلى المرفقين؛ لأن اليد إذا أطلقت لا يراد بها إلا الكف.
والدليل قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما{المائدة: 38} وقوله في التيمم: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه {المائدة: 6} ولم يمسح النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم إلا الكفين(2).
والمرفق: هو المفصل الذي بين العضد والذراع.
وسمـي بـذلك من الارتفــاق؛ لأن الإنسـان يرتفق عليه أي: يتكئ.
والدليل على دخول المرفقين قوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق {المائدة: 6} وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها بفعله، حيث كان يغسل يده اليمنى' حتى يشرع في العضد، ثم يغسل يده اليسرى كذلك(1).
قوله: "ومسح الرأس" هذا هو الفرض الثالث من فروض الوضوء، والفرق بين المسح والغسل: أن المسح لا يحتاج إلى جريان الماء، بل يكفي أن يغمس يده في الماء؛ ثم يمسح بها رأسه، وإنما أوجب الله في الرأس المسح دون الغسل؛ لأن الغسل يشق على الإنسان، ولاسيما إذا كثر الشعر، وكان في أيام الشتاء، إذ لو غسل لنزل الماء على الجسم، ولأن الشعر يبقى مبتلا مدة طويلة، وهذا يلحق الناس به العسر والمشقة، والله إنما يريد بعباده اليسر.
وحد الرأس من منحنى الجبهة إلى منابت الشعر من الخلف طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وعلى هذا فالبياض الذي بين الرأس والأذنين من الرأس.
واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا غسل رأسه دون مسحه؛ هل يجزئه أم لا؟ على ثلاثة أقوال(2): 
القول الأول: أنه يجزئه؛ لأن الله إنما أسقط الغسل عن الرأس تخفيفا؛ لأنه يكون فيه شعر فيمسك الماء ويسيل إلى أسفل ، ولو كلف الناس غسله لكان فيه مشقة، ولا سيما في أيام الشتاء والبرد، فإذا غسله فقد اختار لنفسه ما هو أغلظ فيجزئه.
القول الثاني: أنه يجزئه مع الكراهة بشرط أن يمر يده على رأسه، وإلا فلا، وهذا هو المذهب، لأنه إذا أمر يده فقد حصل المسح مع زيادة الماء بالغسل.
القول الثالث: أنه لا يجزئه؛ لأنه خلاف أمر الله ورسوله، قال تعالى: وامسحوا برءوسكم {المائدة: 6} وإذا كان كذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"(1).
ولا ريب أن المسح أفضل من الغسل، وإجزاء الغسل مطلقا عن المسح فيه نظر، أما مع إمرار اليد فالأمر في هذا قريب.
ولو مسح بناصيته فقط دون بقية الرأس فإنه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: وامسحوا برءوسكم {المائدة: 6} ولم يقل: "ببعض رؤوسكم" والباء في اللغة العربية لا تأتي للتبعيض أبدا. 
قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللغة العربية للتبعيض فقد أخطأ(1). وما ورد في حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته؛ وعلى العمامة، وعلى خفيه(2). فإجزاء المسح على الناصية هنا لأنه مسح على العمامة معه، فلا يدل على جواز المسح على الناصية فقط.
قوله: "ومنه الأذنان" أي: من الرأس، والدليل مواظبته صلى الله عليه وسلم على مسح الأذنين.
وأما حديث: "الأذنان من الرأس"(3) فضعفه كثير من العلماء كابن الصلاح وغيره، وقالوا: إن طرقه واهية، ولكثرة الضعف فيها لا يرتقي إلى درجة الحسن.
وبعض العلماء صححه، وبعضهم حسنه. لكن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على مسحهما دليل لا إشكال فيه. وعلى القول بصحة الحديث فهل يجب حلق الشعر الذي ينبت على الأذنين مع شعر الرأس في حلق النسك؟
فالجواب: أن من صحح الحديث فإنه يلزمه القول بذلك. ولكن الذي يتأمل حلق النبي صلى الله عليه وسلم شعره في النسك لا يظن أنه كان يحلق ذلك، أو أن الناس مكلفون بحلقه أو تقصيره، وأما على القول بضعف الحديث فلا إشكال.
قوله: "وغسل الرجلين" وهذا هو الفرض الرابع من فروض الوضوء. وأطلق ـ رحمه الله ـ هنا الرجلين، لكن لابد أن يقال: إلى الكعبين، كما قال الله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين {المائدة: 6}؛ ولأن الرجل عند الإطلاق لا يدخل فيها العقب؛ بدليل أن قطاع الطريق يقطعون من المفصل الذي بين العقب وظهر القدم، ويبقى العقب فلا يقطع، وعلى هذا يجب أن نقيد كلام المؤلف بما قيدت به الآية.
والكعبان: هما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانبي القدم، وهذا هو الحق الذي عليه أهل السنة.
ولكن الرافضة قالوا: المراد بالكعبين ما تكعب وارتفع، وهما العظمان اللذان في ظهر القدم(1)، لأن الله قال: إلى الكعبين ولم يقل: "إلى الكعاب" وأنتم إذا قلتم: إن الكعبين هما: العظمان الناتئان فالرجلان فيهما أربعة، فلما قال الله: إلى الكعبين علم أنهما كعبان في الرجلين، فلكل رجل كعب واحد. 
والرد عليهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يغسل رجليه إلى الكعبين اللذين في منتهى الساقين، وهو أعلم بمراد الله تعالى، وتبعه على ذلك كل من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم .
والرافضة يخالفون الحق فيما يتعلق بطهارة الرجل من وجوه ثلاثة:
الأول: أنهم لا يغسلون الرجل، بل يمسحونها مسحا.
الثاني: أنهم ينتهون بالتطهيرعند العظم الناتئ في ظهر القدم فقط.
الثالث: أم لا يمسحون على الخفين، ويرون أنه محرم، مع العلم أن ممن روى المسح على الخفين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وهو عندهم إمام الأئمة.
قوله: "والترتيب" وهو أن يطهر كل عضو في محله، وهذا هو الفرض الخامس من فروض الوضوء، والدليل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين {المائدة: 6}
وجه الدلالة من الآية: إدخال الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وإلا لسيقت المغسولات على نسق واحد، ولأن هذه الجملة وقعت جوابا للشرط، وما كان جوابا للشرط فإنه يكون مرتبا حسب وقوع الجواب.
ولأن الله ذكرها مرتبة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أبدأ بما بدأ الله به"(1).
والدليل من السنة: أن جميع الواصفين لوضوئه صلى الله عليه وسلم ما ذكروا إلا أنه كان يرتبها على حسب ما ذكر الله.
مسألة: هل يسقط الترتيب بالجهل أو النسيان على القول بأنه فرض؟
قال بعض العلماء: يسقط بالجهل والنسيان(2) لأنهما عذر، وإذا كان الترتيب بين الصلوات المقضيات يسقط بالنسيان فهذا مثله.
وقال آخرون: لا يسقط بالنسيان(2)؛ لأنه فرض والفرض لا يسقط بالنسيان.
والقياس على قضاء الصلوات فيه نظر؛ لأن كل صلاة عبادة مستقلة، ولكن الوضوء عبادة واحدة.
ونظير اختلاف الترتيب في الوضوء اختلاف الترتيب في ركوع الصلاة وسجودها، فلو سجد قبل الركوع ناسيا فإن السجود لا يصح؛ لوقوعه قبل محله؛ ولهذا فالقول بأن الترتيب يسقط بالنسيان؛ في النفس منه شيء، نعم لو فرض أن رجلا جاهلا في بادية ومنذ نشأته وهو يتوضأ؛ فيغسل الوجه واليدين والرجلين ثم يمسح الرأس، فهنا قد يتوجه القول بأنه يعذر بجهله؛ كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا كثيرين بجهلهم في مثل هذه الأحوال.
قوله: "والموالاة" هذا هو الفرض السادس من فروض الوضوء؛ وهي أن يكون الشيء مواليا للشيء، أي عقبه بدون تأخير، واشترطت الموالاة لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكمالآية {المائدة: 6} .
ووجه الدلالة: أن جواب الشرط يكون متتابعا لا يتأخر، ضرورة أن المشروط يلي الشرط.
ودليله من السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ متواليا، ولم يكن يفصل بين أعضاء وضوئه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا توضأ، وترك على قدمه مثل موضع ظفر لم يصبه الماء، فأمره أن يحسن الوضوء.(1) وفي "صحيح مسلم" من حديث عمر رضي الله عنه: "ارجع فأحسن وضوءك"(1) .
وفي "مسند الإمام أحمد": أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة(1). والفرق بين اللفظين ـ إذا لم نحمل أحدهما على الآخر ـ أن الأمر بإحسان الوضوء أي: إتمام ما نقص منه. وهذا يقتضي غسل ما ترك دون ما سبق، ويمكن حمل رواية مسلم على رواية أحمد، فلا بد من إعادة الوضوء، ورواية أحمد سندها جيد قاله أحمد، وقال ابن كثير: "إسناده صحيح". 
ومن النظر: أن الوضوء عبادة واحدة، فإذا فرق بين أجزائها لم تكن عبادة واحدة.
وقال بعض العلماء: إن الموالاة سنة وليست بشرط(2)؛ لأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء، وهذا حاصل بالتوالي، والتفريق.
والأولى: القول بأنها شرط؛ لأنها عبادة واحدة لا يمكن تجزئتها.
قوله: "وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله" هذا تفسير المؤلف رحمه الله للموالاة.
وهذا بشرط أن يكون ذلك بزمن معتدل خال من الريح أو شدة الحر والبرد.
وقوله: "الذي قبله" أي: الذي قبل العضو المغسول مباشرة، فلو فرض أنه تأخر في مسح الرأس فمسحه قبل أن تنشف اليدان، وبعد أن نشف الوجه فهذا وضوء مجزئ؛ لأن المراد بقوله: "الذي قبله" أي: قبله على الولاء، وليس كل الأعضاء السابقة.
وقولنا: في زمن معتدل، احترازا من الزمن غير المعتدل، كزمن الشتاء والرطوبة الذي يتأخر فيه النشاف، وزمن الحر والريح الذي يسرع فيه النشاف.
وقال بعض العلمـاء ـ وهي روايـة عن أحمـد ـ: إن العبرة بطـول الفصل عرفا، لا بنشاف الأعضاء(1). فلا بد أن يكون الوضوء متـقاربا، فإذا قال الناس: إن هذا الرجل لم يفرق وضـوءه؛ بل وضوؤه متـصل، فإنه يعتبر مواليا، وقد اعتبر العلماء العرف في مسائل كثيرة.
ولكن العرف قد لا ينضبط، فتعليق الحكم بنشاف الأعضاء أقرب إلى الضبط.
وقوله: "الموالاة" يستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمر يتعلق بالطهارة.
مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء "كالبوية" مثلا، فاشتغل بإزالته فإنه لا يضر، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونشفت الأعضاء فإنه لا يضر.
أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة؛ كأن يجد على ثوبه دما فيشتغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إعادة الوضوء؛ لأن هذا لا يتعلق بطهارته.
قوله: "والنية شرط" وهي القصد، ومحلها القلب ولا يعلم بالنيات إلا الله عز وجل.
والنية شرط في جميع العبادات.
والكلام على النية من وجهين:
الأول: من جهة تعيين العمل ليتميز عن غيره، فينوي بالصلاة أنها صلاة وأنها الظهر مثلا، وبالحج أنه حج، وبالصيام أنه صيام، وهذا يتكلم عنه أهل الفقه.
الثاني: قصد المعمول له، لا قصد تعيين العبادة، وهو الإخلاص وضده الشرك، والذي يتكلم على هذا أرباب السلوك في باب التوحيد وما يتعلق به، وهذا أهم من الأول، لأنه لب الإسلام وخلاصة الدين، وهو الذي يجب على الإنسان أن يهتم به.
وينبغي للإنسان أن يتذكر عند فعل العبادة شيئين:
الأول: أمر الله تعالى بهذه العبادة حتى يؤديها مستحضرا أمر الله، فيتوضأ للصلاة امتثالا لأمر الله؛ لأنه تعالى قال: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافقالآية {المائدة: 6}. لا لمجرد كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة.
الثاني: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم لتتحقق المتابعة.
وقوله: "والنية شرط" أي لصحة العمل وقبوله وإجزائه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" (1).
ولأن الله عز وجل قيد كثيرا من الأعمال بقوله: ابتغاء وجه الله.
كقوله تعالى: والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم {الرعد: 22} وقوله: ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما {النساء: 114} 
وهل ينطق بالنية؟ على قولين للعلماء(1)، والصحيح أنه لا ينطق بها، وأن التعبد و بالنطق بها بدعة ينهى' عنها، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليـه وسلـم وأصــحابه لم يكونوا ينطقون بالنية إطلاقا، ولم يحفظ عنهم ذلك، ولو كان مشروعا لبينه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحالي أو المقالي.
فالنطق بها بدعة سواء في الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم.
أما الحج فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: نويت أن أحج، أو نويت النسك الفلاني، وإنما يلبي بالحج فيظهر النية، ويكون العقد بالنية سابقا على التلبية.
لكن إذا احتاج الإنسان إلى اشتراط في نسكه، فإنه لا يشترط أن ينطق بالنية، فيقول: إني أريد كذا، بل له أن يقول: اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني دون النطق بالنية.
والمشهور من المذهب: أنه يسن النطق بها سرا في الحج وغيره، وهذا ضعيف لما سبق.
وأما القول: بأنه يسن النطق بها جهرا؛ فهذا أضعف وأضعف، وفيه من التشويش على الناس ولا سيما في الصلاة مع الجماعة ما هو ظاهر، وليس هناك حاجة إلى التلفظ بالنية لأن الله يعلم بها.
والنية ليست صعبة، وإن كانت عند بعض أهل الوسواس صعبة؛ لأن كل عاقل مختار يعمل عملا فلا بد أن يكون مسبوقا بالنية، فلو قرب لرجل ماء، ثم سمى وغسل كفيه، ثم تمضمض واستنشق... إلخ؛ فإن هذا لا يعقل أن يكون بدون نية.
ولهذا قال بعض العلماء رحمهم الله: لو أن الله كلفنا عملا بدون نية؛ لكان من تكليف مالا يطاق(1). فلو قال الله: صلوا ولا تنووا، فإنه غير ممكن، حتى قال شيخ الإسلام: إذا تعشى الإنسان ليالي رمضان فإن عشاءه يدل على نيته ولو لم ينو الصيام من الغد؛ وذلك لأنه لن يكثر من الطعام كما يكثره في سائر أيامه؛ لأنه سوف يتسحر آخر الليل.
قوله: "لطهارة الأحداث كلها" الحدث: معنى يقوم بالبدن يمنع من فعل الصلاة ونحوها، هذا في الأصل.
وأحيانا يطلق على سببه، فيقال: للغائط حدث، وللبول حدث، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"(2).
وخرج بقوله: "طهارة الأحداث" طهارة الأنجاس، فلا يشترط لها نية ، فلو علق إنسان ثوبه في السطح، وجاء المطر حتى غسله، وزالت النجاسة طهر؛ مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيته. 
وكذلك الأرض تصيبها النجاسة، فينزل عليها المطر فتطهر.
وما ذكره المؤلف: مذهب مالك(1)، والشافعي(2)، وأحمد(3).
وذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ إلى أن طهارة الحدث لا يشترط لها النية(4)، لأنها ليست عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لتصحيح الصلاة، كما لو لبس ثوبا يستر به عورته، فإنه لا يشترط أن ينوي بذلك ستر العورة ، بل لو لبسه للتجمل أو لدفع البرد، وما أشبه ذلك أجزأه. وهذا ضعيف. والصواب أن الوضوء عبادة مستقلة، بدليل أن الله تعالى رتب عليه الفضل والثواب والأجر، ومثل هذا يكون عبادة مستقلة، وهو قول جمهور العلماء.
وإذا كان عبادة مستقلة، صارت النية فيه شرطا، بخلاف إزالة النجاسة فإنها ليست فعلا، ولكنها تخل عن شيء يطلب إزالته، فلهذا لم تكن عبادة مستقلة، فلا تشترط فيها النية.
وقوله "كلها" أراد به شمول الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة بالماء والتيمم.
قوله: "فينوي رفع الحدث" هذه الصورة الأولى للنية، فإذا توضأ بنية رفع الحدث الذي حصل له بسبب البول مثلا صح وضوءه، وهذا هو المقصود بالوضوء .
قوله: "أو الطهارة لما لا يباح إلا بها" وهذه هي الصورة الثانية، أي: ينوي الطهارة لشيء لا يباح إلا بالطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف، فإذا نوى الطهارة للصلاة ارتفع حدثه، وإن لم ينو رفع الحدث، لأن الصلاة لا تصح إلا بعد رفع الحدث.
قوله: "فإن نوى ما تسن له الطهارة كقراءة" هذه هي الصورة الثالثة، أي: نوى الطهارة لما تسن له، وليس لما تجب، كقراءة القرآن فإن قراءة القرآن دون مس المصحف تسن لها الطهارة، بل كل ذكر فإن السنة أن يتطهر له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة"(1) فإذا نوى ما تسن له الطهارة ارتفع حدثه، لأنه إذا نوى الطهارة لما تسن له فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث؛ لأجل أن يقرأ، وكذلك إذا نوى الطهارة لرفع الغضب، أو النوم، فإنه يرتفع حدثه.
فصار للنية ثلاث صور:
الأولى: أن ينوي رفع الحدث.
الثانية: أن ينوي الطهارة لما تجب له.
الثالثة: أن ينوي الطهارة لما تسن له.
قوله: "أو تجديدا مسنونا ناسيا حدثه ارتفع" هذه الصورة الرابعة. أي: تجديدا لوضوء سابق عن غير حدث، بل هو على وضوء، فينوي تجديد الوضوء الذي كان متصفا به.
لكن اشترط المؤلف ـ رحمه الله ـ شرطين: 
الشرط الأول: أن يكون ذلك التجديد مسنونا؛ لأنه إذا لم يكن مسنونا لم يكن مشروعا، فإذا نوى التجديد وهو غير مسنون، فقد نوى طهارة غير شرعية، فلا يرتفع حدثه بذلك.
وتجديد الوضوء يكون مسنونا إذا صـلى بالوضوء الـذي قبـله، فـإذا صلى بالوضوء الذي قبله فإنه يستحب أن يتوضأ للصلاة الجديدة.
مثاله: توضأ لصلاة الظهر وصلى الظهر، ثم حضر وقت العصر وهو على طهارته، فحينئذ يسن له أن يتوضأ تجديدا للوضوء؛ لأنه صلى بالوضوء السابق، فكان تجديد الوضوء للعصر مشروعا، فإن لم يصل به؛ بأن توضأ للعصر قبل دخول وقتها؛ ولم يصل بهذا الوضوء، ثم لما أذن العصر جدد هذا الوضوء، فهذا ليس بمشـروع؛ لأنـه لـم يصل بالوضوء الأول، فلا يرتفع حدثه لو كان أحدث بين الوضوء الأول والثاني.
الشرط الثاني: أن ينسى حدثه، فإن كان ذاكرا لحدثه فإنه لا يرتفع، وهذا من غرائب العلم! إذا نوى الشيء ناسيا صح، وإذا نواه ذاكرا لم يصح!.
مثاله: رجل صلى الظهر بوضوء، ثم نقضه بعد الصلاة، ثم جدد الوضوء للعصر ناسيا أنه أحدث، فهذا يرتفع حدثه؛ لأنه نوى تجديدا مسنونا ناسيا حدثه.
فإذا كان ذاكرا لحدثه، فلا يرتفع؛ لأنه حينئذ يكون متلاعبا، فكيف ينوي التجديد وهو ليس على وضوء؛ لأن التجديد لا يكون إلا والإنسان على طهارة.
قوله: "وإن نوى غسلا مسنونا أجزأ عن واجب".مثاله: أن يغتسل من تغسيل الميت، أو يغتسل للإحرام، أو للوقوف بعرفة فهذه أغسال مسنونة، وكذلك غسل الجمعة عند جمهور العلماء، والصحيح: أنه واجب.
وظاهر كلام المؤلف ـ وهو المذهب ـ : ولو ذكر أن عليه غسلا واجبا 
وقيده بعض الأصحاب بما إذا كان ناسيا حدثه(1)، أي: ناسيا الجنابة، فإن لم يكن ناسيا فإنه لا يرتفع؛ لأن الغسل المسنون ليس عن حدث، وإذا لم يكن عن حدث، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"(2) وهذا الرجل لم ينو إلا الغسل المسنون، وهو يعلم أن عليه جنابة، ويذكر ذلك، فكيف يرتفع الحدث؟
وهذا القول ـ وهو تقييده بأن يكون ناسيا ـ له وجهة من النظر.
وتعليل المذهب: أنه لما كان الغسل المسنون طهارة شرعية كان رافعا للحدث، وهذا التعليل فيه شيء من العلة، لأنه لا شك بأنه غسل مشروع، ولكنه أدنى من الغسل الواجب من الجنابة، فكيف يقوى المسنون حتى يجزئ عن الواجب الأعلى؟
لكن إن كان ناسيا فهو معذور.
مثاله: لو اغتسل للجمعة ـ على القول بأنه سنة ـ وهو عليه جنابة لكنه لم يذكرها، أو لم يعلم بالجنابة إلا بعد الصلاة كما لو احتلم ولم يعلم إلا بعد الصلاة، فإن صلاة الجمعة تكون صحيحة لارتفاع الجنابة.
أما إذا علم ونوى هذا الغسل المسنون فقط، فإن القول بالإجزاء في النفس منه شيء. 

قوله: "وكذا عكسه" كذا: خبر مقدم، وعكسه: مبتدأ مؤخر، أي: إذا نوى غسلا واجبا أجزأ عن المسنون لدخوله فيه، كما لو كان عليه جنابة فاغتسل منها عند السعي إلى الجمعة فإنه يجزئه عن غسل الجمعة؛ لأن الواجب أعلى من المسنون فيسقط به، كما لو دخل المسجد ووجد الناس يصلون فدخل معهم، فإن تحية المسجد تسقط عنه؛ لأن الواجب أقوى من المستحب.
وإذا نوى الغسلين الواجب والمستحب أجزأ من باب أولى؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"(1).
وإن جعل لكل غسلا فهو أفضل؛ كما اختاره الأصحاب(2) رحمهم الله .
وعلى هذا فالغسل الواجب مع المسنون له أربع حالات:
الأولى: أن ينوي المسنون دون الواجب.
الثانية: أن ينوي الواجب دون المسنون.
الثالثة: أن ينويهما جميعا.
الرابعة: أن يغتسل لكل واحد غسلا منفردا.
قوله: "وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءا...". أي: بأن فعل من نواقض الوضوء أشياء متعددة، كما لو بال، وتغوط، ونام، وأكل لحم إبل، ونوى الطهارة عن البول، فإنه يجزئ عن الجميع.
ولكن لو نوى عن البول فقط على أن لا يرتفع غيره، فإنه لا يجزئ إلا عن البول؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"(1).
وقيل يجزئ عنه وعن غيره(2)، لأن الحدث وصف واحد؛ وإن تعددت أسبابه فإنه لا يتعدد، فإذا نوى رفعه ارتفع وإن لم يعين إلا سببا واحدا من أسبابه.
وقيل: إن عين الأول ارتفع الباقي، وإن عين الثاني لم يرتفع شيء منها(2)؛ لأن الثاني ورد على حدث، لا على طهارة كما لو بال أولا، ثم تغوط، ثم توضأ عن الغائط فقط فإنه لا يرتفع حدثه؛ لأن الثاني ورد على حدث فلم يؤثر شيئا، وحينئذ إذا نوى رفع الحدث من الثاني لم يرتفع، لأن الحدث من الأول.
والصحيح: أنه إذا نوى رفع الحدث عن واحد منها ارتفع عن الجميع؛ حتى وإن نوى أن لا يرتفع غيره، لأن الحدث وصف واحد وإن تعددت أسبابه، فإذا نوى رفعه من البول ارتفع.
ولا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم : "وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا لم ينو إلا عن حدث البول؛ لأن الحدث شيء واحد، فإذا نوى رفعه ارتفع، وليس الإنسان إذا بال في الساعة الواحدة مثلا صار له حدث، وإذا تغوط في الساعة الواحدة والنصف صار له حدث آخر وهكذا.بل الحدث واحد، والأسباب متعددة.
قوله: "أو غسلا فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها" أي: اجتمعت أحداث توجب غسلا كالجماع، والإنزال، والحيض، والنفاس بالنسبة للمرأة، فإذا اجتمعت ونوى بغسله واحدا منها، فإن جميع الأحداث ترتفع.
وما يقال في الحدث الأصغر، يقال هنا.
قوله: "ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة، وهو التسمية". أي: يجب الإتيان بالنية عند أول واجبات الطهارة، وهي التسمية.
والنية: عزم القلب على فعل الطاعة تقربا إلى الله تعالى.
والمؤلف أراد الكلام على محل النية، أي: متى ينوي الإنسان؟
وقوله: "عند" هذه الكلمة تدل على القرب كما في قوله تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون {الأعراف: 206} فالعندية تدل على القرب، وعلى هذا يجب أن تكون النية مقترنة بالفعل، أو متقدمة عليه بزمن يسير، فإن تقدمت بزمن كثير فإنها لا تجزئ.
وقوله: "عند أول واجبات الطهارة" لم يقل عند أول فروض الطهارة؛ لأن الواجب مقدم على الفروض في الطهارة، والواجب هو التسمية.
وهذا على المذهب من أن التسمية واجبة مع الذكر.
وقد سبق بيان حكم التسمية والخلاف في ذلك، وبيان أن الصحيح أنها سنة(1).
فإذا أراد أن يتوضأ فلا بد أن ينوي قبل أن يسمي، لأن التسمية واجبة.
قوله: "وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب" أول مسنونات الطهارة غسل الكفين ثلاثا، فإذا غسلهما ثلاثا قبل أن يسمي صار الإتيان بالنية حينئذ سنة.
وقوله: "إن وجد" الضمير يعود على أول المسنونات.
وقوله: "قبل واجب" أي: قبل التسمية، فلو غسل كفيه ثلاثا قبل أن يسمي، فإن تقدم النية قبل غسل اليدين سنة.
والنية لها محلان:
الأول: تكون فيه سنة، وهو قبل المسنون إن وجد قبل واجب.
الثاني: تكون فيه واجبة عند أول الواجبات، وقد سبق بيان ما في ذلك(1)، وأنه لا يمكن أن يقرب الانسان الماء؛ ثم يشرع في الوضوء من غير نية؛ ولهذا لابد أن تكون النية سابقة حتى على أول المسنونات؛ اللهم إلا إن كان إنما يغسل يديه لتنظيفهما من طعام ونحوه؛ ثم نوى الوضوء بعد غسل اليدين، فهذا ربما يقال: إنه ابتدأ الطهارة بلا نية، وحينئذ فعليه أن يأتي بالنية عند التسمية.
وقوله: "إن وجد قبل واجب" يشير ـ رحمه الله ـ إلى أن هذا المسنون لا يوجد قبل الواجب في الغالب، فالغالب أن يسمي قبل غسل كفيه، وحينئذ يكون الواجب متقدما.
قوله: "واستصحاب ذكرها في جميعها" أي: يسن استصحاب ذكرها، والمراد ذكرها بالقلب، أي يسن للإنسان تذكر النية بقلبه في جميع الطهارة، فإن غابت عن خاطره فإنه لا يضر، لأن استصحاب ذكرها سنة.
ولو سبق لسانه بغير قصده فالمدار على ما في القلب. 
ولو نوى بقلبه الوضوء، لكن عند الفعل نطق بنية العمل؛ فيكون اعتماده على عزم قلبه لا على الوهم الذي طرأ عليه، كما لو أراد الحج ودخل في الإحرام بهذه النية؛ لكن سبق لسانه فلبى بالعمرة فإنه على ما نوى.
قوله: "ويجب استصحاب حكمها" معناه: أن لا ينوي قطعها.
فالنية إذا لها أربع حالات باعتبار الاستصحاب:
الأولى: أن يستصحب ذكرها من أول الوضوء إلى آخره، وهذا أكمل الأحوال.
الثانية: أن تغيب عن خاطره؛ لكنه لم ينو القطع، وهذا يسمى' استصحاب حكمها، أي بني على الحكم الأول، واستمر عليه.
الثالثة: أن ينوي قطعها أثناء الوضوء، لكن استمر مثلا في غسل قدميه لتنظيفهما من الطين فلا يصح وضوءه؛ لعدم استصحاب الحكم لقطعه النية في أثناء العبادة. 
الرابعة: أن ينوي قطع الوضوء بعد انتهائه من جميع أعضائه، فهذا لا ينتقض وضوءه، لأنه نوى القطع بعد تمام الفعل.
ولهذا لو نوى قطع الصلاة بعد انتهائها، فإن صلاته لا تنقطع(1).
(قاعدة:)
قطع نية العبادة بعد فعلها لا يؤثر، وكذلك الشك بعد الفراغ من العبادة، سواء شككت في النية، أو في أجزاء العبادة، فلا يؤثر إلا مع اليقين.
فلو أن رجلا بعد أن صلى الظهر قال: لا أدري هل نويتها ظهرا أو عصرا شكا منه؟ فلا عبرة بهذا الشك ما دام أنه داخل على أنها الظهر فهي الظهر، ولا يؤثر الشك بعد ذلك، ومما أنشد في هذا:
والشك بعد الفعل لا يؤثروهكذا إذا الشكوك تكثر(1)
ومثله لو شك ـ بعد الفراغ من الصلاة ـ هل سجد سجدة أو سجدتين؟ فإن هذا لا يؤثر.
وهنا مسألة مهمة وهي: لو نوى فرض الوقت دون تعيين الصلاة، وهذه تقع كثيرا ، فلو جاء إنسان مثلا لصلاة الظهر؛ ووجد الناس يصلون ودخل معهم في تلك الساعة؛ ولم يستحضر أنها الظهر، أو الفجر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء. إنما استحضر أنها فرض الوقت.
فالمذهب: لا يجزئه؛ لأنه لابد أن يعين إما الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الصبح.
وعن أحمد رواية: أنه إذا نوى فرض الوقت أجزأه. ذكرها ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" واختارها بعض الأصحاب(1).
وهذا لا يسع الناس العمل إلا به، لأنه كثيرا ما يغيب عن الإنسان تعيين الصلاة، لكن نيته هو أنها فرض الوقت.
مسألة: رجل سلم من ركعتين من الظهر بناء على أنها الفجر ثم ذكر، هل يكمل ركعتين أم يستأنف الصلاة؟
يقولون في هذه الصورة: يجب أن يستأنف الصلاة(2)؛ لأنه سلم على أنها صلاة ركعتين؛ بخلاف من سلم من ركعتين عن الظهر ونحوها ثم ذكر؛ فانه يتم أربعا ويسجد للسهو، ولأنه سلم على أنها صلاة رباعية.
قوله: "وصفة الوضوء..." المؤلف ـ رحمه الله ـ ساق صفة الوضوء المشتملة على الواجب، وغير الواجب.
قوله: "أن ينوي" النية شرط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات"(3).
قوله: "ثم يسمي" التسمية واجبة على المذهب وقد سبق بيان الخلاف في هذا(1).
قوله: "ويغسل كفيه ثلاثا" والدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا أراد أن يتوضأ غسل كفيه ثلاثا(2) وهذا سنة.
وتعليل ذلك أن الكفين آلة الوضوء، فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كل شيء حتى تكونا نظيفتين.
قوله: "ثم يتمضمض" المضمضة: أن يدخل الماء في فمه ثم يمجه.
وهل يجب أن يدير الماء في جميع فمه أم لا؟
قال العلماء رحمهم الله: الواجب إدارته في الفم أدنى إدارة(3)، وهذا إذا كان الماء قليلا لا يملأ الفم، فإن كان كثيرا يملأ الفم فقد حصل المقصود.
وهل يجب أن يزيل ما في فمه من بقايا الطعام فيخلل أسنانه ليدخل الماء بينها؟
الظاهر: أنه لا يجب.
وهل يجب عليه أن يزيل الأسنان المركبة إذا كانت تمنع وصول الماء إلى ما تحتها أم لا يجب؟
الظاهر أنه لا يجب ، وهذا يشبه الخاتم، والخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، بل الأولى أن يحركه لكن ليس على سبيل الوجوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسه(1) ولم ينقل أنه كان يحركه عند الوضوء، وهو أظهر من كونه مانعا من وصول الماء من هذه الأسنان، ولا سيما أنه يشق نزع هذه التركيبة عند بعض الناس.
قوله: "ويستنشق" الاستنشاق: أن يجذب الماء بنفس من أنفه.
وهل يجب الاستنثار؟
قالوا: الاستنثار سنة(2)، ولا شك أن طهارة الأنف لا تتم إلا بالاستنثار بعد الاستنشاق؛ حتى يزول ما في الأنف من أذي.
وهل يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟
قال العلماء: يبالغ إلا أن يكون صائما لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة:"... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"(3).
وكذلك لا يبالغ في الاستنشاق إذا كانت له جيوب أنفية زوائد؛ لأنه مع المبالغة ربما يستقر الماء في هذه الزوائد ثم يتعفن، ويصبح له رائحة كريهة ويصاب بمرض، أو ضرر في ذلك، فهذا يقال له: يكفي أن تستنشق حتى يكون الماء داخل المنخرين.
قوله: "ويغسل وجهه" الوجه: ما تحصل به المواجهة، وهو أشرف أجزاء البدن.
قوله: "من منابت شعر الرأس" المراد: مكان نبات الشعر المعتاد بخلاف الأفرع، والأنزع.
فالأفرع: الذي له شعر نازل على الجبهة.
والأنزع: الذي انحسر شعر رأسه. قال الشاعر يوصي زوجته:
ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفا والوجه، ليس بأنزعا(1).
وقوله: "من منابت شعر الرأس" هكذا حده المؤلف ـ رحمه الله ـ وقال بعض العلماء: من منحنى الجبهة من الرأس؛ لأن المنحنى هو الذي تحصل به المواجهة، وهذا أجود.
قوله: "إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا" الذقن: هو مجمع اللحيين. واللحيان: هما العظمان النابت عليهما الأسنان.
فما انحدر من اللحيين، وكذلك إذا كان في الذقن شعر طويل فإنه يغسل، لأن الوجه ما تحصل به المواجهة، والمواجهة تحصل بهذا الشعر فيكون غسله واجبا.
وقال بعض العلماء : إن ما جاوز الفرض من الشعر لا يجب غسله، لأن الله قال: وجوهكم {المائدة: 6} " والشعر في حكم المنفصل.
وقد ذكر ابن رجب هذا في "القواعد"، وصحح أنه لا يجب غسل ما استرسل من اللحيين والذقن(1).
والأحوط والأولى غسل ما استرسل من اللحيين والذقن.
قوله: "ومن الأذن إلى الأذن عرضا" والبياض الذي بين العارض والأذن من الوجه.
والشعر الذي فوق العظم الناتئ يكون تابعا للرأس. هذا حد الوجه.
والدليل على غسله قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم {المائدة: 6}.
قوله:"وما فيه من شعر خفيف، والظاهر الكثيف". الخفيف: ما ترى من ورائه البشرة، والكثيف: ما لا ترى من ورائه.
فالخفيف: يجب غسله وما تحته؛ لأن ما تحته إذا كان يرى فإنه تحصل به المواجهة، والكثيف يجب غسل ظاهره دون باطنه؛ لأن المواجهة لا تكون إلا في ظاهر الكثيف. 
وكذلك يجب غسل ما في الوجه من شعر كالشارب والعنفقة(1) والأهداب والحاجبين والعارضين. ويستحب تخليل الشعر الكثيف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء(2).
قوله: "مع ما استرسل منه" ."استرسل"أي: نزل.
وظاهر كلام المؤلف، ولو نزل بعيدا، فلو فرض أن لرجل لحية طويلة أكثر مما هو غالب في الناس، فإنه يجب عليه غسل الخفيف منها، والظاهر من الكثيف.
قوله: "ثم يديه مع المرفقين" أي : اليمنى ثم اليسرى، ولم يذكر هنا التيامن؛ لأنه سبق في سنن الوضوء.
وقوله: "مع المرفقين" تعبير المؤلف مخالف لظاهر قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق {المائدة: 6} لأن المعروف عند العلماء أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها، بمعنى: أنك إذا قلت لشخص: لك من هذا إلى هذا، فما دخلت عليه "من" فهو له، وما دخلت عليه "إلى" فليس له، فظاهر الآية أن المرفقين لا يدخلان. لكنهم قالوا: "إلى" في الآية بمعنى "مع"، وجعلوا نظير هذا قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالهم إلى" أموالكم {النساء: 2} أي: مع أموالكم، ولكن هذا التنظير فيه نظر؛ فإن الآية في المال، ليست كالآية في الغسل، لأنه قال: وآتوا اليتامى" أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى" أموالكم {النساء: 2} أي: مضمومة إلى أموالكم، فالإنسان لا يأكل مال غيره إلا إذا ضمه إلى ماله، فضمن قوله: "ولا تأكلوا" معنى الضم.
أما آية الوضوء فليست كذلك.
ولكن الجواب الصحيح أن الغاية داخلة فيها بدليل السنة، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه توضأ حتى أشرع في العضد، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل(1)، ومقتضى هذا أن المرفق داخل.
وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فأدار الماء على مرفقيه(2).
وقد يقال: إن الغاية لا تدخل إذا ذكر ابتداء الغاية "من"، أما إذا لم تذكر فإنها تكون داخلة، ولهذا لو قال قائل: هل الأفضل في غسل اليدين البدء من المرفق، أو من وسط الذراع، أو من أطراف الأصابع؟.
فالجواب: أن الأفضل أن يبدأ من أطراف الأصابع لقوله: "إلى". وإن لم يكن ظهور ذلك عندي قويا؛ لأن الابتداء لم يذكر، ولا بد من الإتيان بـ "إلى" هنا؛ إذ لو لم تأت وقال:(اغسلوا أيديكم) لكان الواجب غسل الكف فقط؛ لأن اليد إذا أطلقت فالمراد بها "الكف" بدليل قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما {المائدة: 38} وقطع يد السارق من الكف وكذلك قوله تعالى في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه {المائدة: 6} ومسح اليد في التيمم إنما يكون إلى الكف؛ بدليل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم .
وإن تمسك متمسك بالظاهر ـ الذي ليس بظاهرـ وقال: إن الأفضل أن يكون من الأصابع. فأرجو أن لا يكون به بأس.
وقوله: "مع المرفقين" تعبير المؤلف بـ "مع" من باب التفسير والتوضيح.
قوله: "ثم يمسح كل رأسه مع الأذنين مرة واحدة" أي: لا يغسله، وإنما يمسحه، وهذا من تخفيف الله تعالى على عباده؛ لأن الغالب أن الرأس فيه شعر فيبقى الماء في الشعر؛ لأن الشعر يمسك الماء فينزل على جسمه، فيتأذى به؛ و لا سيما في أيام الشتاء.
وقوله: "مع الأذنين" دليل ذلك:
1ـ ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسح الأذنين مع الرأس(1).
2ـ أنهما من الرأس(2).
3ـ أنهما آلة السمع، فكان من الحكمة أن تطهرا حتى يطهر الإنسان مما تلقاه بهما من المعاصي.
قوله: "ثم يغسل رجليه مع الكعبين". الكلام على قوله: "مع الكعبين" كالكلام على قوله: "مع المرفقين"، وكلمة "مع" ليس فيها مخالفة للقرآن؛ لأن "إلى" في قوله تعالى: إلى الكعبين{المائدة: 6} بمعنى "مع" لدلالة السنة على ذلك؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه توضأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العضد، ورجليه حتى أشـرع في الساق، وقال: هكـذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل (3) وعلى هذا فالكعبان داخلتان في الغسل وهما: العظمان النائتان في أسفل الساق.
فيجب غسلهما، وهذا الذي أجمع عليه أهل السنة لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين {المائدة: 6} . بنصب "وأرجلكم" عطفا على "وجوهكم" وهذه قراءة سبعية.
وأما قراءة "وأرجلكم" بالجر، وهي سبعية أيضا(1)، فتخرج على ثلاثة أوجه:
الأول: أن الجر هنا على سبيل المجاورة، بمعنى أن الشيء يتبع ما جاوره لفظا لا حكما، والمجاور لها "رؤوسكم" بالجر فتجر بالمجاورة. ومنه قول العرب: "هذا جحر ضب خرب" بجر خرب، مع أنه صفة لجحر المرفوع، ومقتضى القواعد رفع خرب، لأن صفة المرفوع مرفوع، ولكن العرب جرته على سبيل المجاورة(2).
الثاني: أن قراءة النصب دلت على وجوب غسل الرجلين.
وأما قراءة الجر؛ فمعناها: اجعلوا غسلكم إياها كالمسح، لا يكون غسلا تتعبون به أنفسكم؛ لأن الإنسان فيما جرت به العادة قد يكثر من غسل الرجلين ودلكها؛ لأنها هي التي تباشر الأذى فمقتضى العادة أن يزيد في غسلها، فقصد بالجر فيما يظهر كسر ما يعتاده الناس من المبالغة في غسل الرجلين؛ لأنهما اللتان تلاقيان الأذى.
الثالث: أن القراءتين تنزل كل واحدة منهما على حال من أحوال الرجل، وللرجل حالان:
الأولى: أن تكون مكشوفة، وهنا يجب غسلها.
الثانية: أن تكون مستورة بالخف ونحوه فيجب مسحها.
فتنزل القراءتان على حالي الرجل، والسنة بينت ذلك، وهذا أصح الأوجه وأقلها تكلفا، وهو متمش على القواعد، وعلى ما يعرف من كتاب الله تعالى حيث تنزل كل قراءة على معنى يناسبها. 
ويكون في الآية إشارة إلى المسح على الخفين.
قوله: "ويغسل الأقطع بقية المفروض" أراد ـ رحمه الله ـ أقطع اليدين؛ بدليل قوله: "غسل رأس العضد منه".
فيغسل الأقطع بقية المفروض، ولا يأخذ ما زاد على الفرض في المقطوع.
فمثلا: لو أنه قطع من نصف الذراع، فلا يرتفع إلى العضد بمقدار نصف الذراع؛ لأن العضد ليس محلا للغسل، وإنما يغسل بقية المفروض لقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم {التغابن: 16} وهذا اتقى الله ما استطاع.
ولقوله صلى الله عليه وسلم :"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"(1) وما قطع سقط فرضه.
قوله: "فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه" يعني: إذا قطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد، لأن رأس العضد مع المرفق في موازنة واحدة.
وقد سبق(1) أنه يجب غسل اليدين مع المرفقين، ورأس العضد داخل في المرفق فيجب غسله ، وإن قطع من فوق المفصل لا يجب غسله.
وهكذا بالنسبة للرجل إن قطع بعض القدم غسل ما بقي، وإن قطع من مفصل العقب غسل طرف الساق؛ لأنه منه.
وهكذا بالنســبة لـلأذن إذا قطـع بعضها مسح الباقي، وإن قطعــت كلها سقط المسح على ظاهرها، ويدخل أصبعيه في صماخ الأذنين.
قوله: "ثم يرفع بصره إلى السماء" هذا سنة؛ إن صح الحديث، وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"(2) وفي سنده مجهول، والمجهول لا يعلم حاله: هل هو حافظ، أو عدل، أو ليس كذلك، وإذا كان في السند مجهول حكم بضعف الحديث.
والفقهاء ـ رحمهم الله ـ بنوا هذا الحكم على هذا الحديث. وعلى تعليل وهو: أنه يرفع نظره إلى السماء إشارة إلى علو الله تعالى حيث شهد له بالتوحيد.
قوله: "ويقول ما ورد" وهو حديـث عمر رضـي الله عنه: "أشهـد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمـدا عبـده ورسوله، اللهم اجــعـلني مـن التوابين، واجعلني من المتطهـــرين. فإن من أســـبغ الوضــــوء ثم قال هذا الذكر؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء"(1).
وناسب أن يقول هذا الذكر بعد الوضوء، لأن الوضوء تطهير للبدن، وهذا الذكر تطهير للقلب؛ لأن فيه الإخلاص و.
ولأن فيه الجمع بين سؤال الله أن يجعله من التوابين الذين طهروا قلوبهم، ومن المتطهرين الذين طهروا أبدانهم. 
وقال بعض العلماء: إن هذا الذكر يشرع بعد الغسل والتيمم(1) أيضا، لأن الغسل يشتمل على الوضوء وزيادة، فإن من صفات الغسل المسنونة أن يتوضأ قبله.
ولأن المعنى يقتضيه.
وأما التيمم فلأنه بدل على الوضوء، وقد قال الله تعالى بعد التيمم: ولكن يريد ليطهركم {المائدة: 6} فكان مناسبا.
ويرى بعض العلماء: أنه يقتصر على ما ورد في الوضوء فقط. وهو ظاهر كلام الأكثر، قال في "الفروع":"ويتوجه ذلك بعد الغسل؛ ولم يذكروه" (1)وقال في "الفائق": "قلت: وكذا يقوله بعد الغسل"(2).
وهذا ـ أعني الاقتصار على قوله بعد الوضوء ـ أرجح؛ لأنه لم ينقل بعد الغسل والتيمم، وكل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنع منه مانع، ولم يفعله، فإنه ليس بمشروع. نعم؛ لو قال قائل باستحبابه بعد الغسل إن تقدمه وضوء لم يكن بعيدا إذا نواه للوضوء.
وقول هذا الذكر بعد الغسل أقرب من قوله بعد التيمم؛ لأن المغتسل يصدق عليه أنه متوضئ.
قوله: "وتباح معونته" أي: معونة المتوضئ ، كتقريب الماء إليه وصبه عليه، وهو يتوضأ، وهذه الإباحة لا تحتاج إلى دليل؛ لأنها هي الأصل.
وقد دل أيضا على ذلك: أن المغيرة بن شعبة صب الماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ(3).
فإن قلت: ألا يكون هذا مشروعا؛ لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، فلا يقتصر على الإباحة فقط، بل يقال: إنه مشروع؟
فالجواب: لا شك أنه من باب التعاون على البر والتقوى، ولكن هذه عبادة ينبغي للإنسان أن يباشرها بنفسه، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلما أراد أن يتوضأ طلب من يعينه فيه.
وقال بعض العلماء: تكره إعانة المتوضئ إلا عند الحاجة(1)؛ لأنها عبادة ولا ينبغي للإنسان أن يستعين بغيره عليها. والمذهب أصح.
قوله: "وتنشيف أعضائه" التنشيف بمعنى: التجفيف.
والدليل: عدم الدليل على المنع، والأصل الإباحة.
فإن قلت: كيف تجيب عن حديث ميمونة ـ رضي الله عنهاـ بعد أن ذكرت غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه"(2).
فالجواب: أن هذا قضية عين تحتمل عدة أمور:
إما لسبب في المنديل، كعدم نظافته ، أو يخشى أن يبله بالماء وبلله بالماء غير مناسب أو غير ذلك.
وقد يكون إتيانها بالمنديل دليلا على أن من عادته أن ينشف أعضاءه وإلا لم تأت به.
والصواب: ما قاله المؤلف أنه مباح. 
باب مسح الخفين
أتى به المؤلف بعد صفة الوضوء لأنه حكم يتعلق بأحد أعضاء الوضوء، وذكر المؤلف في هذا الباب المسح على العمامة، والجبيرة، والخمار، والخفين، فكان مشتملا على أربعة مواضيع.
والخفان: ما يلبس على الرجل من الجلود، ويلحق بهما ما يلبس عليهما من الكتان، والصوف، وشبه ذلك من كل ما يلبس على الرجل مما تستفيد منه بالتسخين، ولهذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين(1).
أي: الخفاف، وسميت: "تساخين"، لأنها تسخن الرجل.
والمسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة.
وخالف في ذلك الرافضة؛ ولهذا ذكره بعض العلماء في كتب العقيدة لمخالفة الرافضة فيه(1) حتى صار شعارا لهم.
وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما من الكتاب فقوله تعالى : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين {المائدة: 6} على قراءة الجر.
وأما من السنة فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الناظم:
مما تواتر حديث من كذبومن بنى و بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحـــــــوضومسح خفين وهذي بعض
قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 2). أي: ليس في قلبي أدنى شك في الجواز.
وأما الإجماع فقد أجمع أهل السنة على جواز المسح على الخفين في الجملة.
قوله: "يجوز لمقيم يوما وليلة" عبر بالجواز، فهل الجواز منصب على بيان المدة، أو على بيان الحكم؟
إن كان على بيان المدة فلا إشكال فيه، يعني: أن الجواز متعلق بهذه المدة.
وإن كان منصبا على بيان الحكم فقد يكون فيه إشكال، وهو أن المسح على الخفين للابسهما سنة، وخلعهما لغسل الرجل بدعة خلاف السنة.
لكن قد يجاب عن هذا الإشكال بأن نقول: إن المؤلف عبر بالجواز دفعا لقول من يقول بالمنع، وهذا لا ينافي أن يكون مشروعا، والعلماء يعبرون بما يقتضي الإباحة في مقابلة من يقول بالمنع، وإن كان الحكم عندهم ليس مقصورا على الجواز، بل هو إما واجب، أو مستحب.
ونظير ذلك: قول بعضهم: ولمن أحرم بالحج مفردا ولم يسق الهدي أن يفسخه لعمرة ليكون متمتعا(1).
فالتعبير باللام الدالة على الجواز في مقابل من منع ذلك؛ لأن بعض العلماء يقول بعدم الجواز؛ لأن هذا من إبطال العمل.
وقوله: "لمقيم" يشمل المستوطن والمقيم؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يرون أن الناس لهم ثلاث حالات.
إحداها: الإقامة.
الثانية: الاستيطان.
الثالثة: السفر.
ويفرقون في أحكام هذه الأحوال.
والصحيح: أنه ليس هناك إلا استيطان أو سفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وأن الإقامة باعتبارها قسما ثالثا ينفرد بأحكام خاصة لا توجد في الكتاب، ولا في السنة.
والإقامة عند الفقهاء: هي أن يقيم المسافر إقامة تمنع القصر ورخص السفر؛ ولا يكون مستوطنا، وعلى هذا فإنه مقيم، فلا تنعقد به الجمعة، ولا تجب عليه؛ أي: بنفسه، ولا يكون خطيبا، ولا إماما فيها، حتى لو أراد أن يقيم سنتين، أو ثلاثا.
والمستوطن: الذي اتخذ البلد وطنا له.
وحكم المقيم في المسح على الخفين كحكم المستوطن، كما أن حكمه كحكم المستوطن في وجوب إتمام الصلاة، وفي تحريم الفطر في رمضان، لكن ليس هو كالمستوطن في مسألة الجمعة، فلا تجب عليه بنفسه، ولا يكون إماما فيها، ولا خطيبا، وحينئذ يكون في مرتبة بين مرتبتين، ولا دليل على هذه المرتبة.
وقوله: "يوما وليلة" لحديث علي ـ رضي الله عنه ـ قال: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن" أخرجه مسلم(1).
وهذا نص صريح بين مفصل.
قوله: "ولمسافر ثلاثة بلياليها" إطلاق المؤلف ـ رحمه الله ـ يشمل السفر الطويل والقصير.
ويشمل سفر القصر وغيره؛ لأن هناك سفرا طويلا لكن لا يقصر فيه كالسفر المحرم، أو المكروه على المذهب، كمن سافر لشرب الخمر أو الاستمتاع بالبغايا.
والمذهب: أن السفر هنا مقيد بالسفر الذي يباح فيه القصر، ولعله مراد المؤلف رحمه الله.
قوله: "من حدث بعد لبس" من: للابتداء، يعني: أن ابتداء المدة سواء كانت يوما وليلة؛ أم ثلاثة أيام، من الحدث بعد اللبس، وهذا هو المذهب؛ لأن الحدث سبب وجوب الوضوء فعلق الحكم به، وإلا فإن المسح لا يتحقق إلا في أول مرة يمسح.
ونظير هذا قولهم في بيع الثمار: إذا باع نخلا قد تشقق طلعه فالثمر للبائع؛ مع أن الحديث: "من باع نخلا قد أبرت..."(1). لكن قالوا: إن التشقق سبب للتأبير فأنيط الحكم به(2).
والذي يمكن أن يعلق به ابتداء المدة ثلاثة أمور:
الأول: حال اللبس.
الثاني: حال الحدث.
الثالث: حال المسح.
أما حال اللبس، فلا تبتدئ المدة من اللبس قولا واحدا في المذهب وأما حال الحدث فالمذهب: أن المدة تبتدئ منه.
والقول الثاني: تبتدئ من المسح(3)؛ لأن الأحاديث: "يمسح المسافر على الخفين ثلاث ليال، والمقيم يوما وليلة"(4)...إلخ. ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، وهذا هو الصحيح.
ويدل له أن الفقهاء أنفسهم ـ رحمهم الله ـ قالوا: لو أن رجلا لبس الخفين وهو مقيم؛ ثم أحدث؛ ثم سافر؛ ومسح في السفر أول مرة، فإنه يتم مسح مسافر(1). وهذا يدل على أنه يعتبر ابتداء المدة من المسح وهو ظاهر.
فالصواب: أن العبرة بالمسح وليس بالحدث.
مثال ذلك: رجل توضأ لصلاة الفجر ولبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة التاسعة ضحى، ثم أحدث ولم يتوضأ، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة، فالمذهب: تبتدئ المدة من الساعة التاسعة.
وعلى القول الراجح: تبتدئ من الساعة الثانية عشرة إلى أن يأتي دورها من اليوم الثاني إن كان مقيما، ومن اليوم الرابع إن كان مسافرا. 
فالمقيم أربع وعشرون ساعة، والمسافر اثنتان وسبعون ساعة.
وأما قول العامة: إن المدة خمس صلوات فهذا غير صحيح؛ لأن الإنسان قد يصلي أكثر من ذلك ومدة المسح باقية وهو مقيم، كما لو لبس الخفين لصلاة الفجر، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء، فهذا يوم كامل لا يحسب عليه؛ لأن المدة قبل المسح أول مرة لا تحسب، فإذا مسح من الغد لصلاة الفجر، فإذا بقي على طهارته إلى صلاة العشاء من اليوم الثالث، فيكون قد صلى خمس عشرة صلاة وهو مقيم.
قوله: "على طاهر" هذا هو الشرط الثاني من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون الملبوس طاهرا.
والطاهر: يطلق على طاهر العين، فيخرج به نجس العين.
وقد يطلق الطاهر على ما لم تصبه نجاسة كما لو قلت: يجب عليك أن تصلي بثوب طاهر: أي: لم تصبه نجاسة.
والمراد هنا طاهر العين؛ لأن من الخفاف ما هو نجس العين كما لو كان خفا من جلد حمار، ومنه ما هو طاهر العين لكنه متنجس؛ أي: أصابته نجاسة، كما لو كان الخف من جلد بعير مذكى لكن أصابته نجاسة، فالأول نجاسته نجاسة عينية؛ والثاني نجاسته نجاسة حكمية، وعلى هذا يجوز المسح على الخف المتنجس، لكن لا يصلي به، لأنه يشترط للصلاة اجتناب النجاسة.
وفائدة هذا أن يستبيح بهذا الوضوء مس المصحف؛ لأنه لا يشترط للمس المصحف أن يكون متطهرا من النجاسة، ولكن يشترط أن يكون متطهرا من الحدث.
أما لو اتخذ خفا من جلد ميتة مدبوغ تحل بالذكاة، فإن هذا ينبني على الخلاف(1):
إن قلنا: لا يطهر ـ وهو المذهب ـ لم يجز المسح عليه.
وإن قلنا: يطهر بالدبغ جاز المسح عليه.
ووجه اشتراط الطهارة: أن المسح على نجس العين لا يزيده إلا تلويثا، بل إن اليد إذا باشرت هذا النجس وهي مبلولة تنجست.
وربما يؤخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم : "فإني أدخلتهما طاهرتين"(2).
لكن معنى الحديث أدخلتهما أي: القدمين طاهرتين، كما يفسره بعض الألفاظ(1).
قوله: "مباح" احترازا من المحرم، هذا هو الشرط الثالث، والمحرم نوعان:
الأول: محرم لكسبه كالمغصوب، والمسروق.
الثاني: محرم لعينه كالحرير للرجل، وكذا لو اتخذ "شرابا" (وهو الجورب) فيها صور فهذا محرم، ولا يقال: إن هذا من باب ما يمتهن؛ لأن هذا من باب اللباس ، واللباس الذي فيه صور حرام بكل حال، فلو كان على "الشراب" صورة أسد مثلا فلا يجوز المسح عليه.
وكلا هذين النوعين لايجوز المسح عليهما.
ولا نعلم دليلا بينا على ذلك.
وأما التعليل: فلأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح بالمعصية؛ ولأن القول بجواز المسح على ما كان محرما مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره.
وربما نقول: بالقياس على بطلان صلاة المسبل(1) ـ إن صح الحديث ـ فإن المسبل تبطل صلاته، لأنه لبس ثوبا محرما، فإذا فسدت الصلاة بلبس الثوب المحرم؛ فإن المسح أيضا يكون فاسدا بلبس الخف المحرم.
قوله: "ساتر للمفروض" أي: للمفروض غسله من الرجل وهذا هو الشرط الرابع، فيشترط لجواز المسح على الخفين أن يكون ساترا للمفروض.
ومعنى "ساتر" ألا يتبين شي من المفروض من ورائه؛ سواء كان ذلك من أجل صفائه، أو خفته، أو من أجل خروق فيه.
لأنه إذا كان به خروق بان من ورائه المفروض، فلا يصح المسح عليه حتى قال بعض أهل العلم ـ وهوالمشهور من المذهب ـ: لو كان هذا الخرق بمقدار رأس المخراز.
والتعليل: أن ما كان خفيفا أو به خروق، فإن ما ظهر؛ فرضه الغسل، والغسل لا يجامع المسح، إذ لا يجتمعان في عضو واحد.
وأما ما يصف البشرة لصفائه؛ فلأنه يشترط الستر وهذا غير ساتر، بدليل أن الإنسان لو صلى في ثوب يصف البشرة لصفائه فصلاته باطلة.
وذهب الشافعية إلى: أن ما لا يستر لصفائه يجوز المسح عليه(1)، لأن محل الفرض مستور لا يمكن أن يصل إليه الماء، وكونه ترى من ورائه البشرة لا يضر، فليست هذه عورة يجب سترها حتى نقول: إن ما يصف البشرة لا يصح المسح عليه.
وليس في السنة ما يدل على اشتراط ستر الرجل في الخف.
وهذا تعليل جيد من الشافعية.
وقال بعض العلماء: إنه لا يشترط أن يكون ساترا للمفروض(1).
واستدلوا: بأن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، وما ورد مطلقا فإنه يجب أن يبقى على إطلاقه، وأي أحد من الناس يضيف إليه قيدا فعليه الدليل، وإلا فالواجب أن نطلق ما أطلقه الله ورسوله، ونقيد ما قيده الله ورسوله.
ولأن كثيرا من الصحابة كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق، فإذا كان هذا غالبا أو كثيرا من قوم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولم ينبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، دل على أنه ليس بشرط. وهذا اختيار شيخ الإسلام(2).
وأما قولهم: إن ما ظهر؛ فرضه الغسل، فلا يجامع المسح، فهذا مبني على قولهم: إنه لا بد من ستر المفروض، فهم جاؤوا بدليل مبني على اختيارهم، واستدلوا بالدعوى على نفس المدعى، فيقال لهم: من قال: إن ما ظهر؛ فرضه الغسل؟
بل نقول: إن الخف إذا جاء على وفق ما أطلقته السنة؛ فما ظهر من القدم لا يجب غسله، بل يكون تابعا للخف، ويمسح عليه.
وأما قولهم: لا يجتمع مسح وغسل في عضو واحد، فهذا منتقض بالجبيرة إذا كانت في نصف الذراع، فالمسح على الجبيرة، والغسل على ما ليس عليه جبيرة. وعلى تسليم أنه لا بد من ستر كل القدم نقول: ما ظهر يغسل، وما استتر بالخف يمسح كالجبيرة، ولكن هذا غير مسلم، وما اختاره شيخ الإسلام هو الراجـح؛ لأن هــذه الخـفاف لا تسلم غالبا من الخروق، فكيف نشق على الناس ونلزمهم بذلك. ثم إن كثيرا من الناس الآن يستعملون جوارب خفيفة، ويرونها مفيدة للرجل، ويحصل بها التسخين، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فأصابهم البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب (يعني العمائم) والتساخين (يعني الخفاف)(1) والتساخين هي الخفاف؛ لأنها يقصد بها تسخين الرجل، وتسخين الرجل يحصل من مثل هذه الجوارب. 
إذا ؛ هذا الشرط محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح عدم اعتباره.
قوله: "يثبت بنفسه" أي: لا بد أن يثبت بنفسه، أو بنعلين فيمسح عليه إلى خلعهما، وهذا هوالشرط الخامس لجواز المسح على الخفين، فإن كان لا يثبت إلا بشده فلا يجوز المسح عليه. هذا المذهب.
فلو فرض أن رجلا رجله صغيرة، ولبس خفا واسعا لكنه ربطه على رجله بحيث لا يسقط مع المشي، فلا يصح المسح عليه.
والصحيح: أنه يصح، والدليل على ذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة،. فما دام أنه ينتفع به ويمشي فيه فما المانع؟ ولا دليل على المنع.
وقد لا يجدالإنسان إلا هذا الخف الواسع فيكون في منعه من المسح عليه مشقة، لكن اليوم ـ الحمد و ـ كل إنسان يجد ما يريد.
لكن لو فرض أن هذا الرجل قدمه صغيرة، وليس عنده إلا هذا الخف الكبير الواسع وقال: أنا إذا لبسته وشددته مشيت، وإن لم أشدده سقط عن قدمي، ماذا نقول له؟
نقول: على المذهب لا يجوز، وعلى القول الراجح يجوز. ووجه رجحانه أنه لا دليل على هذا الشرط.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على جواز المسح عليه؟
نقول: الدليل عدم الدليل، أي عدم الدليل على اشتراط أن يثبت بنفسه.
قوله: "من خف" من: بيانية لقوله: "طاهر" فالجار والمجرور بيان لطاهر، و"من": إذا كانت بيانية فإن الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني حال كونه من خف.
والخف: ما يكون من الجلد. والجوارب: ما يكون من غير الجلد كالخرق وشبهها. فيجوز المسح على هذا وعلى هذا.
ودليل المسح على الجوارب القياس على الخف، إذ لا فرق بينهما في حاجة الرجل إليهما، والعلة فيهما واحدة، فيكون هذا من باب الشمول المعنوي، أو بالعموم اللفظي كما في حديث: "أن يمسحوا على العصائب والتساخين"(1).
والتساخين يعم كل ما يسخن الرجل.
وأما "الموق" فإنه خف قصير يمسح عليه، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الموقين(2).
قوله: "وجورب صفيق" اشترط المؤلف أن يكون صفيقا؛ لأنه لا بد أن يكون ساترا للمفروض على المذهب، وغير الصفيق لا يستر.
قوله: "ونحوهما" أي:مثلهما من كل ما يلبس على الرجل سواء سمي خفا، أم جوربا، أم موقا، أم جرموقا، أم غير ذلك، فإنه يجوز المسح عليه؛ لأن العلة واحدة. 
قوله: "وعلى عمامة لرجل" أي: ويجوز المسح على عمامة الرجل، والعمامة: ما يعمم به الرأس، ويكور عليه، وهي معروفة.
والدليل على جواز المسح عليها حديث المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم :"مسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه" (1).
وقد يعبر عنها بالخمار كما في "صحيح مسلم": "مسح على الخفين والخمار" قال: يعني العمامة(2).
ففسر الخمار بالعمامة، ولولا هذا التفسير لقلنا بجواز المسح على "الغترة"، إذا كانت مخمرة للرأس، كما يجوز في خمر النساء.
وقوله: "لرجل" أي: لا للمرأة، وهذا أحد شروط جواز المسح على العمامة، فلا يجوز للمرأة المسح على العمامة، لأن لبسها لها حرام لما فيه من التشبه بالرجال، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشتبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال(1).
ويشترط لها ما يشترط للخف من طهارة العين، وأن تكون مباحة، فلا يجوز المسح على عمامة نجسة فيها صور، أو عمامة حرير.
وقوله "لرجل" كلمة رجل في الغالب تطلق على البالغ، وهذا ليس بمراد هنا، بل يجوز للصبي أن يلبس عمامة ويمسح عليها.
وكلمة "ذكر" تطلق على ما يقابل الأنثى.
قوله: "محنكة أو ذات ذؤابة" هذا هو الشرط الثاني لجواز المسح على العمامة، فالمحنكة هي التي يدار منها تحت الحنك. وذات الذؤابة هي التي يكون أحد أطرافها متدليا من الخلف، وذات: بمعنى صاحبة.
فاشترط المؤلف للعمامة شرطين:
الأول: أن تكون لرجل.
الثاني: أن تكون محنكة، أو ذات ذؤابة.
مع اشتراط أن تكون مباحة، وطاهرة العين.
والدليل على اشتراط التحنيك، أو ذات الذؤابة: أن هذا هو الذي جرت العادة بلبسه عند العرب.
ولأن المحنكة هي التي يشق نزعها، بخلاف المكورة بدون تحنيك.
وعارض شيخ الإسلام ـ رحمـه الله ـ فــي هذا الشـرط(1)، وقـال: إنه لا دليل على اشتراط أن تكون محنكة، أو ذات ذؤابة.
بل النص جاء: "العمامة"(2) ولم يذكر قيدا آخر، فمتى ثبتت العمامة جاز المسح عليها.
ولأن الحكمة من المسح على العمامة لا تتعين في مشقة النزع، بل قد تكون الحكمة أنه لو حركها ربما تنفل أكوارها.
ولأنه لو نزع العمامة، فإن الغالب أن الرأس قد أصابه العرق والسخونة فإذا نزعها، فقد يصاب بضرر بسبب الهواء؛ ولهذا رخص له المسح عليها.
ولا يجب أن يمسح ما ظهر من الرأس، لكن قالوا: يسن أن يمسح معها ما ظهر من الرأس؛ لأنه سيظهر قليل من الناصية ومن الخلف غالبا؛ فيجب المسح عليها، ويستحب المسح على ما ظهر.
قوله: "وعلى خمر نساء" أي: ويجوز المسح على خمر نساء.
خمر: جمع خمار، وهو مأخوذ من الخمرة، وهو ما يغطى به الشيء. فخمار المرأة: ما تغطي به رأسها.
واختلف العلماء في جواز مسح المرأة على خمارها.
فقال بعضهم: إنه لا يجزئ(1) لأن الله تعالى أمر بمسح الرأس في قوله: وامسحوا برءوسكم{المائدة 6} وإذا مسحت على الخمار فإنها لم تمسح على الرأس؛ بل مسحت على حائل وهو الخمار فلا يجوز .
وقال آخرون بالجواز، وقاسوا الخمار على عمامة الرجل، فالخمار للمرأة بمنزلة العمامة للرجل، والمشقة موجودة في كليهما.
وعلى كل حال إذا كان هناك مشقة إما لبرودة الجو، أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى، فالتسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأولى ألا تمسح ولم ترد نصوص صحيحة في هذا الباب(2). 
ولو كان الرأس ملبدا بحناء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك فيجوز المسح؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في إحرامه ملبدا رأسه(1) فما وضع على الرأس من التلبيد فهو تابع له.
وهذا يدل على أن طهارة الرأس فيها شيء من التسهيل.
وعلى هذ؛ فلو لبدت المرأة رأسها بالحناء جاز لها المسح عليه، ولا حاجة إلى أن تنقض رأسها، وتحت هذا الحناء.
وكذا لو شدت على رأسها حليا وهو ما يسمى بالهامة، جاز لها المسح عليه؛ لأننا إذا جوزنا المسح على الخمار فهذا من باب أولى.
وقد يقال: إن له أصلا وهو الخاتم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس الخاتم(1) ومع ذلك فإنه قد لا يدخل الماء بين الخاتم والجلد، فمثل هذه الأشياء قد يسامح فيها الشرع، ولاسيما أن الرأس من أصله لا يجب تطهيره بالغسل وإنما يطهر بالمسح، فلذلك خففت طهارته بالمسح.
وقوله "على خمر نساء" يفيد أن ذلك شرط، وهو أن يكون الخمار على نساء.
قوله: "مدارة تحت حلوقهن" هذا هو الشرط الثاني، فلا بد أن تكون مدارة تحت الحلق، لا مطلقة مرسلة؛ لأن هذه لا يشق نزعها بخلاف المدارة.
وهل يشترط لها توقيت كتوقيت الخف؟ فيه خلاف. والمذهب أنه يشترط، وقال بعض العلماء: لا يشـترط، لأنه لم يثبـت عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه وقتها، ولأن طهارة العضو التي هي عليه أخف من طهارة الرجل، فلا يمكن إلحاقها بالخف، فإذا كانت عليك فامسح عليها، ولا توقيت فيها. وممن ذهب إلى هذا القول: الشوكاني في "نيل الأوطار"(1)، وجماعة من أهل العلم(2).
قوله: "في حدث أصغر" الحدث: وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
وهو قسمان:
الأول: أكبر وهو ما أوجب الغسل.
الثاني: أصغر وهو ما أوجب الوضوء.
فالعمامة، والخف، والخمار، إنما تمسح في الحدث الأصغر دون الأكبر، والدليل على ذلك حديث صفوان بن عسال قال :"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم"(1).
فقوله "إلا من جنابة" يعني به الحدث الأكبر.
وقوله: "ولكن من غائط وبول ونوم" هذا الحدث الأصغر. فلو حصل على الإنسان جنابة مدة المسح فإنه لا يمسح، بل يجب عليه الغسل؛ لأن الحدث الأكبر ليس فيه شيء ممسوح، لا أصلي ولا فرعي، إلا الجبيرة كما يأتي.
(تنبيه): تبين مما سبق أن لهذه الممسوحات الثلاثة: الخف والعمامة والخمار شروطا تتفق فيها؛ وشروطا تختص بكل واحد. فالشروط المتفقة هي:
1ـ أن تكون في الحدث الأصغر.
2ـ أن يكون الملبوس طاهرا.
3ـ أن يكون مباحا.
4ـ أن يكون لبسها على طهارة.
5ـ أن يكون المسح في المدة المحددة.
هذا ما ذكره المؤلف وقد عرفت الخلاف في بعضها.
وأما الشروط المختلفة فالخف يشترط أن يكون ساترا للمفروض، ولا يشترط ذلك في العمامة والخمار، والعمامة يشترط أن تكون على رجل، والخمار يشترط أن يكون على أنثى، والخف يجوز المسح عليه للذكور والإناث.
قوله: "وجبيرة" أي: ويجوز المسح على جبيرة، والجبيرة: فعيلة بمعنى فاعلة، وهي أعواد توضع على الكسر ثم يربط عليها ليلتئم. والآن بدلها الجبس.
وأما "جبير" بالنسبة للمكسور فهو بمعنى مفعول أي مجبور.
ويسمى الكسير جبيرا من باب التفاؤل،كما يسمى اللديغ سليما مع أنه لا يدرى هل يسلم أم لا؟
وتسمى الأرض التي لا ماء فيها ولا شجر مفازة من باب التفاؤل.
قوله:"لم تتجاوز قدر الحاجة" هذا أحد الشروط. وتتجاوز: أي تتعدى.
والحاجة: هي الكسر، وكل ما قرب منه مما يحتاج إليه في شدها.
فإذا أمكن أن نجعل طول العيدان شبرا، فإننا لا نجعلها شبرا وزيادة، لعدم الحاجة إلى هذا الزائد.
وكذا إذا احتجنا إلى أربطة غليظة استعملناها، وإلا استعملنا أربطة دقيقة.
وإذا كان الكسر في الأصبع واحتجنا أن نربط كل الراحة لتستريح اليد جاز ذلك لوجود الحاجة.
فإن تجاوزت قدر الحاجة، لم يمسح عليها، لكن إن أمكن نزعها بلا ضرر نزع ما تجاوز قدر الحاجة، فإن لم يمكن فقيل: يمسح على ما كان على قدر الحاجة ويتيمم عن الزائد(1). والراجح أنه يمسح على الجميع بلا تيمم؛ لأنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة.
قوله: "ولو في أكبر". "لو": لرفع التوهم، لأنه في العمامة والخمار والخفين قال: "في حدث أصغر" ولو لم يقل هنا "ولو في أكبر" لتوهم متوهم أن المسح عليها في الحدث الأصغر فقط مع أنه يجوز المسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر.
وذلك لوجوه:
1ـ حديث صاحب الشجة ـ بناء على أنه حديث حسن، ويحتج به ـ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنما كان يكفيه أن يتيمم؛ ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها"(1).
وهذا في الحدث الأكبر، لأن الرجل أجنب.
2ـ أن المسح على الجبيرة من باب الضرورة، والضرورة لا فرق فيها بين الحدث الأكبر والأصغر، بخلاف المسح على الخفين فهو رخصة.
3ـ أن هذا العضو الواجب غسله ستر بما يسوغ ستره به شرعا فجاز المسح عليه كالخفين.
4ـ أن المسح ورد التعبد به من حيث الجملة، فإذا عجزنا عن الغسل انتقلنا إلى المسح كمرحلة أخرى.
5ـ أن تطهير محل الجبيرة بالمسح بالماء، أقرب إلى الغسل من العدول إلى التيمم، والأحاديث في المسح على الجبيرة وإن كانت ضعيفة إلا أن بعضها يجبر بعضا.
ثم إننا يمكن أن نقيسها ولو من وجه بعيد على المسح على الخفين، فنقول: إن هذا عضو مستور بما يجوز لبسه شرعا فيكون فرضه المسح. وهذا القياس وإن كان فيه شيء من الضعف من جهة أن المسح على الخفين رخصة ومؤقت والمسح على الجبيرة عزيمة وغير مؤقت، والمسح على الخفين يكون في الحدث الأصغر، وهذا في الأصغر والأكبر، والمسح على الخفين يكون على ظاهر القدم، وهذا يكون على جميعها، ولكن مع ما في هذا القياس من النظر إلا أنه قوي من حيث الأصل، وهو أنه مستور بما يسوغ ستره به شرعا فجاز المسح عليه كالخفين، وهذا ما عليه جمهور العلماء. 
وقال بعض العلماء ـ كابن حزم ـ لا يمسح على الجبيرة(1)؛ لأن أحاديثها ضعيفة، ولا يرى أنه ينجبر بعضها ببعض، ولا يرى القياس.
واختلف القائلون بعدم جواز المسح.
فقال بعضهم: إنه يسقط الغسل إلى بدل، وهو التيمم(1) بأن يغسل أعضاء الطهارة ويتيمم عن الموضع الذي فيه الجبيرة، لأنه عاجز عن استعمال الماء، والعجز عن البعض كالعجز عن الكل فيتيمم.
وقال آخرون: إنه لا يتيمم، ولا يمسح(2)؛ لأنه عجز عن غسل هذا العضو فسقط كسائرالواجبات، وهذا أضعف الأقوال أنه يسقط الغسل إلى غير تيمم، ولا مسح، لأن العضو موجود ليس بمفقود حتى يسقط فرضه، فإذا عجز عن تطهيره بالماء تطهر ببدله.
وربما يعمه قوله تعالى: وإن كنتم مرضى" أو على" سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا {المائدة: 6} وهذا مريض؛ لأن الكسر أوالجرح نوع من المرض فجاز فيه التيمم.
وإذا قلنا: لا بد من التيمم أو المسح، فإن المسح أقرب إلى الطهارة بالماء، لأنه طهارة بالماء، وذاك طهارة بالتراب.
وأيضا: التيمم قد يكون في غير محل الجبيرة؛ لأن التيمم في الوجه والكفين فقط، والجبيرة قد تكون ـ مثلا ـ في الذراع أو الساق.
فأقرب هذه الأقوال: جواز المسح عليها.
وهل يجمع بين المسح والتيمم؟
قال بعض العلماء: يجب الجمع بينهما احتياطا(1).
والصحيح: أنه لا يجب الجمع بينهما؛ لأن القائلين بوجوب التيمم لا يقولون بوجوب المسح، والقائلين بوجوب المسح لا يقولون بوجوب التيمم؛ فالقول بوجوب الجمع بينهما خارج عن القولين. 
ولأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية؛ لأننا نقول: يجب تطهير هذا العضو إما بكذا أو بكذا.
أما إيجاب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظير له في الشرع، ولا يكلف الله عبدا بعبادتين سببهما واحد.
قال العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ: إن الجرح ونحوه إما أن يكون مكشوفا، أو مستورا.
فإن كان مكشوفا فالواجب غسله بالماء، فإن تعذر فالمسح ، فإن تعذر المسح فالتيمم، وهذا على الترتيب.
وإن كان مستورا بما يسوغ ستره به؛ فليس فيه إلا المسح فقط، فإن أضره المسح مع كونه مستورا، فيعدل إلى التيمم، كما لو كان مكشوفا، هذا ما ذكره الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة.
قوله: "إلى حلها" بفتح الحاء؛ أي: إزالتها، وكسر الحاء لحن فاحش يغير المعنى؛ لأنه بالكسر يكون المعنى إلى أن تكون حلالا، وهذا يفسد المعنى، فيمسح على الجبيرة إلى حلها إما ببرء ما تحتها، وإما لسبب آخر.
فإذا برئ الجرح وجب إزالتها؛ لأن السبب الذي جاز من أجله وضع الجبيرة والمسح عليها زال، وإذا زال السبب انتفى المسبب.
قوله: "إذا لبس ذلك" المشار إليه الأنواع الأربعة: الخف، والعمامة، والخمار، والجبيرة.
قوله: "بعد كمال الطهارة" لم يقل: بعد الطهارة حتى لا يتجوز متجوز، فيقول: بعد الطهارة أي: بعد أكثرها.
فلو أن رجلا عليه جنابة وغسل رجليه، ولبس الخفين، ثم أكمل الغسل لم يجز؛ لعدم اكتمال الطهارة.
صحيح أن الرجلين طهرتا؛ لأن الغسل من الجنابة لا ترتيب فيه، لكن لم تكتمل الطهارة.
ولو توضأ رجل ثم غسل رجله اليمنى، فأدخلها الخف، ثم غسل اليسرى؛ فالمشهور من المذهب: عدم الجواز، لقوله: "إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة" فهو لـما لبس الخف في الرجل اليمنى لبسها قبل اكتمال الطهارة لبقاء غسل اليسرى، فلا بد من غسل اليسرى قبل إدخال اليمنى الخف.
ودليل هذا القول: قوله صلى الله عليه وسلم :"فإني أدخلتهما طاهرتين"(1).
فقوله:"طاهرتين" وصف للقدمين، فهل المعنى أدخلت كل واحدة وهما طاهرتان، فيكون أدخلهما بعد كمال الطهارة.
أو أن المعنى: أدخلت كل واحدة طاهرة، فتجوز الصورة التي ذكرنا؟هذا محتمل.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز إذا طهر اليمنى أن يلبس الخف، ثم يطهر اليسرى، ثم يلبس الخف(2).
وقال: إنه أدخلهما طاهرتين، فلم يدخل اليمنى إلا بعد أن طهرها، واليسرى كذلك، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين.
وعلى المذهب: لو أن رجلا فعل هذا، نقول له: اخلع اليمنى ثم البسها؛ لأنك إذا لبستها بعد خلعها لبستها بعد كمال الطهارة.
وربما يقال: هذا نوع من العبث؛ إذ لا معنى لخلعها ثم لبسها مرة أخرى؛ لأن هذا لم يؤثر شيئا، ما دام أنه لا يجب إعادة تطهير الرجل فقد حصل المقصود.
ولكن روى أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمقيم إذا توضأ فلبس خفيه أن يمسح يوما وليلة(1).
فقوله: "إذا توضأ" قد يرجح المشهور من المذهب؛ لأن من لم يغسل الرجل اليسرى لم يصدق عليه أنه توضأ.
وهذا ما دام هو الأحوط فسلوكه أولى، ولكن لا نجسر على رجل غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى ثم أدخلها الخف أن نقول له: أعد صلاتك ووضوءك. لكن نأمر من لم يفعل ألا يفعل احتياطا.
وأما اشتراط كمال الطهارة في الجبيرة، فضعيف لما يأتي:
الأول: أنه لا دليل على ذلك، ولا يصح قياسها على الخفين لوجود الفروق بينهما.
الثاني: أنها تأتي مفاجأة، وليست كالخف متى شئت لبسته.
وعدم الاشتراط هو اختيار شيخ الإسلام(1)، ورواية قوية عن أحمد اختارها كثير من الأصحاب(2).
ويكون هذا من الفروق بين الجبيرة والخف.
ومن الفروق أيضا بين الجبيرة وبقية الممسوحات.
1ـ أن الجبيرة لا تختص بعضو معين، والخف يختص بالرجل، والعمامة والخمار يختصان بالرأس.
وبهذا نعرف خطأ من أفتى أن المرأة يجوز لها وضع "المناكير" لمدة يوم وليلة؛ لأن المسح إنما ورد فيما يلبس على الرأس والرجل فقط، ولهذا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك عليه جبة شامية وأراد أن يخرج ذراعيه من أكمامه ليتوضأ، فلم يستطع لضيق أكمامه، فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى' الجبة على منكبيه، حتى صب عليه المغيرة رضي الله عنه(3)، ولو كان المسح جائزا على غير القدم والرأس، لمسح النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال على كميه.  
2ـ أن المسح على الجبيرة جائز في الحدثين، وباقي الممسوحات لا يجوز إلا في الحدث الأصغر.
3ـ أن المسح على الجبيرة غير مؤقت، وباقي الممسوحات مؤقتة، وسبق الخلاف في العمامة(1).
4ـ أن الجبيرة لا تشترط لها الطهارة ـ على القول الراجح ـ وبقية الممسوحات لا تلبس إلا على طهارة، على خلاف بين أهل العلم في اشتراط الطهارة بالنسبة للعمامة والخمار(2).
قوله: "ومن مسح في سفر، ثم أقام" مــن مسح في سفـر ثـم أقــام، فإنه يتم مسح مقيم إن بقي من المدة شيء، وإن انتهت المدة خلع.
مثاله: مسافر أقبل على بلده وحان وقت الصلاة، فمسح ثم وصل إلى البلد، فإنه يتم مسح مقيم؛ لأن المسح ثلاثة أيام لمن كان مسافرا والآن انقطع السفر، فكما أنه لا يجوز له قصر الصلاة لـما وصل إلى بلده، فكذا لا يجوز له أن يتم مسح مسافر.
فإن كان مضى على مسحه يوم وليلة، ثم وصل بلده فإنه يخلع، وإن مضى يومان خلع، وإن مضى يوم بقي له ليلة.
قوله: "أو عكس" أي: مسح في إقامة ثم سافر، فإنه يتم مسح مقيم تغليبا لجانب الحظر احتياطا.
مثاله: مسح يوما وهو مقيم، ثم سافر، فإنه يبقى عليه ليلة، وما بعد الليلة اجتمع فيه مبيح وحاظر، فالسفر يبيحه والحضر يمنعه، فيغلب جانب الحظر احتياطا؛ لأنك إذا خلعت وغسلت قدميك فلا شبهة في عبادتك، وإن مسحت ففي عبادتك شبهة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى' ما لا يريبك"(1).
والرواية الثانية عن أحمد: أنه يتم مسح مسافر؛ لأنه وجد السبب الذي يستبيح به هذه المدة، قبل أن تنتهي مدة الإقامة، أما لو انتهت مدة الإقامة كأن يتم له يوم وليلة؛ ثم يسافر بعد ذلك قبل أن يمسح؛ ففي هذه الحال يجب عليه أن يخلع(2).
وهذه الرواية قيل: إن أحمد ـ رحمه الله ـ رجع إليها(2)، وهذه رواية قوية.
(مسألة) إذا دخل عليه الوقت ثم سافر، هل يصلي صلاة مسافر أو مقيم؟
المذهب: يصلي صلاة مقيم.
والصحيح: أنه يصلي صلاة مسافر.
فهذه المسألة قريبة من هذه؛ لأنه الآن صلى وهو مسافر، وقد قال الله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة {النساء: 101} .
كما أنه إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر، ثم وصل بلده فإنه يتم.
قوله: "أو شك في ابتدائه..." يعني: هل مسح وهو مسافر أو مسح وهو مقيم؟ فإنه يتم مسح مقيم احتياطا، وهو المذهب.
وبناء على الرواية الثانية ـ في المسألة السابقة ـ يتم مسح مسافر؛ لأن هذه الرواية الثانية يباح عليها أن يتم مسح مسافر، ولو تيقن أنه ابتدأ المسح مقيما. والصحيح في هذه المسائل الثلاث: أنه إذا مسح مسافرا ثم أقام فإنه يتم مسح مقيم، وإذا مسح مقيما ثم سافر أوشك في ابتداء مسحه فإنه يتم مسح مسافر، ما لم تنته مدة الحضر قبل سفره، فإن انتهت فلا يمكن أن يمسح.
قوله: "وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر" أي: أحدث وهو مقيم، ثم سافر قبل أن يمسح، فإنه يمسح مسح مسافر؛ لأنه لم يبتدئ المسح في الحضر، وإنما كان ابتداء مسحه في السفر. وعلى هذا يتبين لنا رجحان القول الذي اخترناه من قبل: بأن ابتداء مدة المسح من المسح لا من الحدث، وهم هنا قد وافقوا على أن الحكم معلق بالمسح لا بالحدث، ويلزم الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أن يقولوا بالقول الراجح؛ أو يطردوا القاعدة، ويجعلوا الحكم منوطا بالحدث، 

ويقولوا: إذا أحدث ثم سافر، ومسح في السفر، فيلزمه أن يمسح مسح مقيم؛ وإلا حصل التناقض.
قوله: "ولا يمسح قلانس" القلانس: جمع قلنسوة، نوع من اللباس الذي يوضع على الرأس، وهي عبارة عن طاقية كبيرة، فمثل هذا النوع لا يجوز المسح عليه؛ لأن الأصل وجوب مسح الرأس لقوله تعالى: وامسحوا برءوسكم {المائدة: 6}.
وعدل عن الأصل في العمامة، لورود النص بها.
وقال بعض الأصحاب: يمسح على القلانس، إذا كانت مثل العمامة يشق نزعها(1)، أما ما لا يشق نزعه كالطاقية المعروفة فلا يمسح عليها. ففرق بين ما يشق نزعه وما لا يشق. 
وهذا القول قوي؛ لأن الشارع لا يفرق بين متماثلين كما أنه لا يجمع بين متفرقين(2)؛ لأن الشرع من حكيم عليم، والعبرة في الأمور بمعانيها، لا بصورها.
وما دام أن الشرع قد أجاز المسح على العمامة، فكل ما كان مثلها في مشقة النزع فإنه يعطى حكمها.
قوله:"ولا لفافة" أي: في القدم، فلا يمسح الإنسان لفافة لفها على قدمه؛ لأنها ليست بخف فلا يشملها حكمه.
وكان الناس في زمن مضى في فاقة وإعواز، لا يجدون خفا، فيأخذ الإنسان خرقة ويلفها على رجله ثم يربطها.
وعلة عدم الجواز أن الأصل وجوب غسل القدم، وخولف هذا الأصل في الخف لورود النص به، فيبقى ما عداه على الأصل.
واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ جواز المسح على اللفافة(1)، وهو الصحيح؛ لأن اللفافة يعذر فيها صاحبها أكثر من الخف؛ لأن خلع الخف ثم غسل الرجل، ثم لبس الخف أسهل من الذي يحل هذه اللفافة ثم يعيدها مرة أخرى، فإذا كان الشرع أباح المسح على الخف، فاللفافة من باب أولى.
وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر السرية التي بعثها بأن يمسحوا على العصائب والتساخين(2).
فنأخذ من كلمة "التساخين" جواز المسح على اللفافة؛ لأنه يحصل بها التسخين.
والغرض الذي من أجله تلبس الخفاف موجود في لبس اللفافة.
قوله: "ولا ما يسقط من القدم" يعني: ولا يمسح ما يسقط من القدم، وهذا بناء على أنه يشترط لجواز المسح على الخف ثبوته بنفسه، أو بنعلين إلى خلعهما؛ لأن ما لا يثبت خف غير معتاد؛ فلا يشمله النص، والناس لا يلبسون خفافا تسقط عند المشي، ولا فائدة في مثل هذا. وهذا ظاهر فيمن يمشي فإنه لا يلبسه.
لكن لو فرض أن مريضا مقعدا لبس مثل هذا الخف للتدفئة، فلا يجوز له المسح على كلام المؤلف.
ولأن الذي يسقط من القدم سيكون واسعا، وإخراج الرجل من هذا الخف سهل، فيخرجها ثم يغسلها، ثم ينشفها ثم يردها.
قوله: "أو يرى منه بعضه" أي: إذا كان الخف يرى منه بعض القدم فإنه لا يمسح ولو كان قليلا، وهذا مبني على ما سبق من اشتراط أن يكون الخف ساترا للمفروض.
وسواء كان يرى من وراء حائل؛ مثل أن يكون خفيفا؛ أو من البلاستيك، أم من غير حائل. فلو فرض أن في الخف خرقا قدر سم الخياط، أو كان جزء منه عليه بلاستيك يرى من ورائه القدم؛ فالمذهب أنه لا يجوز المسح عليه.
وسبق بيان أن الصحيح جواز ذلك(1).
قوله: "فإن لبس خفا على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني". وهذا يقع كثيرا كالشراب والكنادر، فهذا خف على جورب.
ولا يجوز المسح عليهما إن كانا مخروقين على المذهب، ولو سترا؛ لأنه لو انفرد كل واحد منهما لم يجز المسح عليه، فلا يمسح عليهما.
مثاله: لو لبس خفين أحدهما مخروق من فوق، والآخر مخروق من أسفل، فالستر الآن حاصل، لكن لو انفرد كل واحد لم يجز المسح عليه فلا يجوز المسح عليهما.
ولو كانا سليمين جاز المسح عليهما، لأنه لو انفرد كل واحد منهما جاز المسح عليه.
والصحيح : جواز المسح عليهما مطلقا، بناء على أنه لا يشترط ستر محل الفرض ما دام اسم الخف باقيا.
وإذا لبس خفا على خف على وجه يصح معه المسح، فإن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وإن كان بعد الحدث فالحكم للتحتاني، فلو لبس خفا ثم أحدث، ثم لبس خفا آخر فالحكم للتحتاني، فلا يجوز أن يمسح على الأعلى.
فإن لبس الأعلى بعد أن أحدث، ومسح الأسفل فالحكم للأسفل، كما لو لبس خفا ثم أحدث، ثم مسح عليه، ثم لبس خفا آخر فوق الأول وهو على طهارة مسح عند لبسه للثاني، فالمذهب أن الحكم للتحتاني؛ لأنه لبس الثاني بعد الحدث.
وقال بعض العلماء: إذا لبس الثاني على طهارة؛ جاز له أن يمسح عليه(1)؛ لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإني أدخلتهما طاهرتين"(2) وهو شامل لطهارتهما بالغسل والمسح، وهذا قول قوي كما ترى. ويؤيده : أن الأصحاب ـ رحمهم الله ـ نصوا على أن المسح على الخفين رافع للحدث، فيكون قد لبس الثاني على طهارة تامة فلماذا لا يمسح؟(3).
أما لو لبس الثاني وهو محدث فإنه لا يمسح؛ لأنه لبسه على غير طهارة.
وقوله: "فالحكم للفوقاني" هذا لبيان الجواز فإنه يجوز أن يمسح على التحتاني حتى ولو كان الحكم للفوقاني.
وإذا كان في الحال التي يمسح فيها الأعلى؛ فخلعه بعد مسحه؛ فإنه لا يمسح التحتاني. هذا هو المذهب.
والقول الثاني: يجوز جعلا للخفين كالظهارة والبطانة(1)، وذلك فيما لو كان هناك خف مكون من طبقتين العليا تسمى' الظهارة والسفلى تسمى' البطانة، فلو فرضنا في مثل هذا الخف أنه تمزق من الظهارة بعد المسح عليه، وهو الوجه الأعلى فإنه يمسح على البطانة، وهي الوجه الأسفل حتى على المذهب(2).
فالذين يقولون بجواز المسح على الخف الأسفل بعد خلع الخف الأعلى بعد الحدث قالوا: إنما هو بمنزلة الظهارة والبطانة، فهو بمنزلة الخف الواحد. وهذا القول أيسر للناس؛ لأن كثيرا من الناس يلبس الخفين على الجورب ويمسح عليهما، فإذا أراد النوم خلعهما فعلى المذهـب لا يمسـح على الجـورب بعد خلـع الخفين؛ لأن زمن المسح ينتهي بخلع الممسوح. وعلى القول الثاني: يجوز له أن يمسح على الجورب. فإذا مسح ولبس خفيه جاز له أن يمسح عليه مرة ثانية؛ لأنه لبسهما على طهارة، ولا شك أن هذا أيسر للناس؛ والفتوى به حسنة، ولا سيـما إذا كان قد صدر من المستفتي ما قبل ذلك فيفتى بما هو أحوط. 
قوله: "ويمسح أكثر العمامة" هذا بيان لوضع المسح وكيفيته في الممسوحات، ففي العمامة لا بد أن يكون المسح شاملا لأكثر العمامة، فلو مسح جزءا منها لم يصح. وإن مسح الكل فلا حرج، ويستحب إذا كانت الناصية بادية أن يمسحها مع العمامة.
قوله: "وظاهر قدم الخف..." هذا بيان لمسح الخفين.
وقوله "ظاهر" بالجر يعني: ويمسح أكثر ظاهر القدم؛ لأن المسح مختص بالظاهر لحديث المغيرة بن شعبة(1): "مسح خفيه" فإن ظاهره أن المسح لأعلى الخف.
ولحديث علي رضي الله عنه قال: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى' الخف"(2). وهذا الحديث وإن كان فيه نظر؛ لكن حسنه بعضهم.
وفي قوله: "لوكان الدين بالرأي" إشكال، فإن الرأي هو العقل.
وهل الدين مخالف للعقل؟ الجواب: لا، ولكن مراد علي رضي الله عنه ـ إن صح نسبته إليه ـ هو بادي الرأي كما قال تعالى: وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي {هود: 27} أي: في ظاهر الأمر.
لأنه عند التأمل نجد أن مسح أعلى الخف هو الأولى، وهو الذي يدل عليه العقل، لأن هذا المسح لا يراد به التنظيف والتنقية، وإنما يراد به التعبد، ولو أننا مسحنا أسفل الخف لكان في ذلك تلويث له.
قوله: "من أصابعه إلى ساقه" بين المؤلف كيفية المسح: بأن يبتدئ من أصابعه أي أصابع رجله إلى ساقه، وقد وردت آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنه يمسح بأصابعه مفرقة حتى يرى فوق ظهر الخف خطوط كالأصابع(1) . 
قوله: "دون أسفله وعقبه" لأنهما ليسا من أعلى القدم، والمسح إنما ورد في الأعلى كما سبق في حديث المغيرة، فإن له روايات(2) تدل على ما دل عليه حديث علي رضي الله عنه.
وإذا كان الخف أكبر من القدم، فهل يمسح من طرف الخف أو طرف الأصابع؟
إن نظرنا إلى الظاهر؛ فإنه إن مسح على خفيه مسح من طرف الخف إلى ساقه؛ بقطع النظر عن كون الرجل فيه صغيرة أو كبيرة، وإن نظرنا إلى المعنى قلنا: الخف هنا زائد عن الحاجة والزائد لا حكم له، ويكون الحكم مما يحاذي الأصابع، والعمل بالظاهر هو الأحوط.
(تنبيه) لم يبين المؤلف ـ رحمه الله ـ هل يمسح على الخفين معا أو يبدأ باليمنى؛ فقيل: يمسح عليهما معا لظاهر حديث المغيرة. وقيل: يبدأ باليمنى؛ لأن المسح بدل عن الغسل، والبدل له حكم المبدل. وهذا فيما إذا كان يمكنه أن يمسح بيديه جميعا، أما إذا كان لا يمكنه، مثل أن تكون إحدى يديه مقطوعة أو مشلولة فإنه يبدأ باليمنى.
قوله: "وعلى جميع الجبيرة" أي: يمسح على جميع الجبيرة؛ لأن ظاهر حديث صاحب الشجة وهو قوله: "ويمسح عليها"(1) شامل لكل الجبيرة من كل جانب.
ولو غسل الممسوح بدل المسح: فقال بعض أهل العلم: لا يجزئ(2) لأنه خلاف ما جاء به الشرع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"(1) ثم إننا بالغسل نقلب الرخصة إلى مشقة. وقال بعض العلماء: يجزئ الغسل(2)؛ لأنه أكمل في الإنقاء، وإنما عدل إلى المسح تخفيفا.
وتوسط بعضهم فقال: يجزئ الغسل إن أمر يده عليها(3)؛ لأن إمرار اليد جعل الغسل مسحا، وهذا أحوط؛ لكن الاقتصار على المسح أفضل وأولى.
قوله: "ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث " فرض الرجل أن تغسل إلى الكعبين، فإذا ظهر من القدم بعض محل الفرض كالكعب مثلا، وكذا لو أن الجورب تمزق وظهر طرف الإبهام، أو بعض العقب، أو أن العمامة ارتفعت عما جرت به العادة فإنه يلزمه أن يستأنف الطهارة، ويغسل رجليه، ويمسح على رأسه.
وهذا بالنسبة للعمامة مبني على اشتراط الطهارة للبسها. وعلى القول بعدم اشتراط الطهارة بالنسبة للعمامة(3) فإنه يعيد لفها ولا يستأنف الطهارة.
وبالنسبة للخفين ونحوهما مبني على أن ما ظهر؛ فرضه الغسل، وإذا كان فرضه الغسل، فإن الغسل لا يجامع المسح، فلا بد من استئناف الطهارة؛ وغسل القدمين، ثم يلبس بعد ذلك.
وقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: "بعد الحدث"، يفهم منه أنه لو ظهر بعض محل الفرض، أو كله قبل الحدث الأول فإنه لا يضر.
كما لو لبس خفيه لصلاة الصبح، وبقي على طهارته إلى قرب الظهر، وفي الضحى خلع خفيه، ثم لبسهما وهو على طهارته الأولى فإنه لا يستأنف الطهارة.
مسألة: إذا خلع الخفين ونحوهما هل يلزمه استئناف الطهارة؟ اختلف في هذه المسألة على أربعة أقوال(1):
القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه يلزمه استئناف الطهارة، حتى ولو كان ظهورها بعد الوضوء بقليل وقبل جفاف الأعضاء، فإنه يجب عليه الوضوء، والعلة: أنه لـما زال الممسوح بطلت الطهارة في موضعه، والطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت في عضو من الأعضاء بطلت في الجميع. وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أنه إذا خلع قبل أن تجف الأعضاء أجزأه أن يغسل قدميه فقط، لأنه لـما بطلت الطهارة في الرجلين؛ والأعضاء لم تنشف، فإن المولاة لم تفت، وحينئذ يبني على الوضوء الأول فيغسل قدميه. 
القول الثالث: أن يلزمه أن يغسل قدميه فقط، ولو جفت الأعضاء قبل ذلك، وهذا مبني على عدم اشتراط المولاة في الوضوء.
القول الرابع: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام(1)ـ أن الطهارة لا تبطل سواء فاتت الموالاة أم لم تفت، حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء المعروفة، لكن لا يعيده في هذه الحال ليستأنف المسح عليه؛ لأنه لو قيل بذلك لم يكن لتوقيت المسح فائدة؛ إذ كل من أراد استمرار المسح خلع الخف، ثم لبسه،ثم استأنف المدة.
وحجته: أن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي، وإلا فالأصل بقاء الطهارة. وهذا القول هو الصحيح، ويؤيده من القياس: أنه لو كان على رجل شعر كثير، ثم مسح على شعره؛ بحيث لا يصل إلى باطن رأسه شيء من البلل، ثم حلق شعره بعد الوضوء فطهارته لا تنتقض. 
فإن قيل: إن المسح على الرأس أصل، والمسح على الخف فرع، فكيف يساوى بين الأصل والفرع.
فالجواب: أن المسح ما دام تعلق بشيء قد زال، وقد اتفقنا على ذلك، فكونه أصليا، أو فرعيا غير مؤثر في الحكم.
قوله: "أو تمت مدته استأنف الطهارة" يعني: إذا تمت المدة، ولو كان على طهارة، فإنه يجب عليه إذا أراد أن يصلي ـ مثلا ـ أن يستأنف الطهارة.
مثاله: إذا مسح يوم الثلاثاء الساعة الثانية عشرة، فإذا صارت الساعة الثانية عشرة من يوم الأربعاء انتهت المدة فبطل الوضوء، فعليه أن يستأنف الطهارة، فيتوضأ وضوءا كاملا. هكذا قرر المؤلف رحمه الله.
ولا دليل على ذلك من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من إجماع أهل العلم.
والنبي صلى الله عليه وسلم وقت مدة المسح، ليعرف بذلك انتهاء مدة المسح، لا انتهاء الطهارة. فالصحيح أنه إذا تمت المدة، والإنسان على طهارة، فلا تبطل، لأنها ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فلا ينتقض إلا بدليل شرعي آخر، ولا دليل على ذلك في هذه المسألة، والأصل بقاء الطهارة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى(1).
فإن قيل: ألا توجبون عليه الوضوء احتياطا؟
قلنا: الاحتياط باب واسع، ولكن ما هو الاحتياط؟ هل هو بلزوم الأيسر؟ أو بلزوم الأشد؟ أو بلزوم ما اقتضته الشريعة؟ الأخير هو الاحتياط.
فإذا شككنا هل اقتضته الشريعة أم لا؟ اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ: فقال بعضهم: نسلك الأيسر(1)؛ لأن الأصل براءة الذمة؛ ولأن الدين مبني على اليسر والسهولة.
وقال آخرون: نسلك الأشد(1)؛ لأنه أحوط، وأبعد عن الشبهة.
ولكن في مسألة نقض الوضوء عندنا أصل أصله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قوله في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في بطنه في الصلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا"(2).
فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء إلا على من تيقن سبب وجوبه، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكا فيه من حيث الواقع كما في الحديث، أو من حيث الحكم الشرعي، فإن كلا فيه شك، هذا شك في الواقع هل حصل الناقض أم لم يحصل، وهذا شك في الحكم؛ هل يوجبه الشرع أم لا؟.
فالحديث: دل على أن الوضوء لا ينتقض إلا باليقين، وهنا لا يقين.
وعلى هذا؛ فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أنه لا تنتقض الطهارة بانتهاء المدة، لعدم الدليل.
وأي إنسان أتى بدليل فيجب علينا أن نتبع الدليل، وإذا لم يكن هناك دليل فلا يسوغ أن نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، لأن أهل العلم مسؤولون أمام الله، ومؤتمنون على الشريعة؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنهم ورثة الأنبياء"(1).
وكذلك ـ على المذهب ـ لو بريء ما تحت الجبيرة، لزمه أن يستأنف الطهارة إذا كانت في أعضاء الوضوء.
وإذا كانت في أعضاء الغسل، كما لو اغتسل من جنابة ومسح عليها لزمه أن يغسل ما تحتها، ولا يلزمه الغسل كاملا، لأن الموالاة على المذهب لا تشترط في الغسل.
وكذلك لو انحلت الجبيرة استأنف الطهارة في الوضوء إذا كانت في أحد أعضاء الوضوء.
والصحيح كما سبق: أنه لا تبطل الطهارة لبرء ما تحتها، أو انتقاضها، ويعيد شدها في الحال، أو متى شاء؛ لأن الجبيرة ـ على القول الراجح ـ لا يشترط لوضعها الطهارة كما سبق(1). 
باب نواقض الوضوء
النواقض: جمع ناقض؛ لأن "ناقض" اسم فاعل لغير العاقل، وجمع اسم الف




المصدر كتاب
  *** الشرح الممتع على زاد المستقنع ***
   للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى 
   >> عدد الأجزاء= 7  <<

هناك تعليقان (2):

  1. وفي مسألة العِلة من الختان وأن ختان المرأة لا يفيدها في إزالة النجاسة كما يفيد الرجل
    أقول والله المستعان:-
    بل يفيدها أيضًا وهذا أن الجلد المحيط بفرجها والملتقي في أعلى فتحة البول يستر تحته العرق والرطوبة وربما بعض البول ان كثر هذا الجلد خاصة مع كبر سن المرأة ولهذا فالختان يزيل كل هذا ويمنعه ويجعل هذا المكان نظيفًا وهي نفس العلة تقريبًا التي لأجلها فرقتم بين الختانين فجعلتموه واجبًا على الذكور دون الإناث.
    فهي علة اجتهادية ولم ينص عليها وإلا لورد نص يفصل بين الجنسين في هذه المسألة وعدم وروده دل على أن النظافة والطهارة متحققة للجنسين في الختان وان كانت في الذكور أظهر فوجود الفرق البسيط بين الرجل والمرأة لا يعني التفريق الكبير بينهما في الحكم
    فالرجل حين يباح له الزواج بأربع ، يقال أن ذلك لشدة شهوته مقارنة بالمرأة كما ورد عن ابن القيم رحمه الله هذا المعنى
    لكنه في الوقت نفسه مقيد بالعدل مما يدل على أن العلة وحدها ليست كافية في التفريق في الأحكام بين الجنسين الرجال والنساء
    فالأصل أن النساء شقائق الرجال وحيث أنه غاب النص المفرق في الحكم بينهما بقي اشتراكهما في الحكم وعليه يكون الختان واجبًا على كليهما ، والله أعلم.

    ردحذف