كتاب النبوات، قال ابن تيمية :
فصل في تمام القول في محبة الله
وانقسام المراد الى ما يراد لذاته والى ما يراد لغيره
ثم ذلك الغير لا بد أن يكون مرادا لذاته فالمراد لذاته لازم لجنس الارادة
النبوات [ جزء 1 - صفحة 82 ]
والارادة لازمة لجنس الحركة فان الحركة القسرية مستلزمة للحركة الارادية والحركة الارادية مستلزمة للمراد لذاته فكان جنس الحركات الموجودة في العالم مستلزم للمراد لذاته وهو المعبود الذي يستحق العبادة لذاته وهو الله لا إله إلا هو فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل وكل عامل لا يكون عمله لله بل لغيره فهو المشرك فانه كما قال الله تعالى فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فان قوام الشيء بطبيعته الخاصة به فالحي قوامه بطبيعته المستلزمة لحركته الارادية وقوامها بالمراد لذاته فاذا لم تكن حركتها لارادة المعبود لذاته لم يكن لنفسه قوام بل بقيت ساقطة خارة كما ذكر الله تعالى ولهذا يهوي في الهاوية وهو ذنب لا يغفر لأنه فسد الأصل كالمريض الذي فسد قلبه لا ينفع مع ذلك إصلاح أعضائه ولفظ دعاء الله في القرآن يراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به فيكون الله هو المراد ودعاء المسألة يكون الله هو المراد منه كما في قول المصلي إياك نعبد وإياك نستعين فالعبادة إرادته والاستعانة وسيلة الى العبادة فالعبادة إرادة المقصود وارادة الاستعانة ارادة الوسيلة الى المقصود ولهذا قدم قوله إياك نعبد وان كانت لا تحصل إلا بالاستعانة فان العلة الغائبة مقدمة في التصور والقصد وان كانت مؤخرة في الوجود والحصول وهذا إنما يكون لكونه هو المحبوب لذاته لكن المراد به محبة مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم وعلى سبيل تخصيصها به فيعبر عنها بلفظ الإنابة والعبادة ونحو ذلك اذ أن لفظ المحبة جنس عام يدخل فيه أنواع كثيرة فلا يرضى لله بالقدر المشترك بل اذا ذكر من يحب غير الله ذكر الله قال تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله واذا ذكر محبتهم لربهم ذكرت محبته لهم وجهادهم كما في قوله فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وفي مثل قوله أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ولهذا كانت القلوب تطمئن بذكره كما قال تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب فتقديم المفعول يدل على أنها لا تطمئن إلا بذكره وهو تعالى
النبوات [ جزء 1 - صفحة 83 ]
اذا ذكر وجلت فحصل لها اضطراب ووجل لما تخافه من دونه وتخشاه من فوات نصيبها منه فالوجل اذا ذكر حاصل بسبب من الانسان وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة لانه هو المعبود لذاته والخير كله منه قال تعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وقال تعالى اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم وقال علي رضي الله عنه لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه فالخوف الذي يحصل عند ذكره هو بسبب من العبد وإلا فذكر الرب نفسه يحصل الطمأنينة والامن فما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك كما قال ذلك المريض الذي سئل كيف تجدك فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما اجتمعا في قلب عبد مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف ولم يقل بذكر الله توجل القلوب كما قال ألا بذكر الله تطمئن القلوب بل قال اذا ذكر الله وجلت قلوبهم ثم قال واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون وإنما يتوكلون عليه لطمأنينتهم الى كفايته وأنه سبحانه حسب من توكل عليه يهديه وينصره ويرزقه بفضله ورحمته وجوده فالتوكل عليه يتضمن الطمأنينة اليه والاكتفاء به عما سواه وكذلك قال في الآية الأخرى فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون فهم مخبتون والمخبت المطمئن الخاضع لله والارض الخبت المطمئنة روى ابن أبي حاتم من حديث ابن مهدي عن الثوري عن ابن أبي نجيح وبشر المخبتين قال المطمئنين وعن الضحاك المتواضعين فوصفهم بالطمأنينة مع الوجل كما وصفهم هناك بالتوكل عليه مع الوجل وكما قال في وصف القرآن تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله فذكر أنه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله فذكره بالذات يوجب الطمأنينة وإنما الاقشعرار والوجل عارض بسبب ما في نفس الانسان من التقصير في حقه والتعدي لحده فهو كالزبد مع ما ينفع الناس الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في
النبوات [ جزء 1 - صفحة 84 ]
الارض فالخوف مطلوب لغيره ليدعو النفس الى فعل الواجب وترك المحرم وأما الطمأنينة بذكره وفرح القلب به ومحبته فمطلوب لذاته ولهذا يبقى معهم هذا في الجنة فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس والمتفلسفة رأوا اللذات في الدنيا ثلاثة حسية ووهمية وعقلية والحسية في الدنيا غايتها دفع الالم والوهمية خيالات واضحات واللذات الحقيقية هي العلم فجعلوا جنس العلم غاية وغلطوا من وجوه أحدها أن العلم بحسب المعلوم فاذا كان المعلوم محبوبا تكمل النفس بحبه كان العلم به كذلك وان كان مكروها كان العلم به لحذره ودفع ضرره كالعلم بما يضر الانسان من شياطين الانس والجن فلم يكن المقصود نفس العلم بل المعلوم ولهذا قد يقولون سعادتها في العلم بالامور الباقية وأنها تبقى ببقاء معلومها ثم يظنون أن الفلك والعقول والنفوس أمور باقية وأن بمعرفة هذه تحصل سعادة النفس وأبو حامد في مثل معراج السالكين ونحوه يشير الى هذا فان كلامه برزخ بين المسلمين وبين الفلاسفة ففيفه فلسفة مشوبة باسلام وإسلام مشوب بفلسفة ولهذا كان في كتبه كالأحياء وغيره يجعل المعلوم بالأعمال والأعمال كلها إنما غايتها هو العلم فقط وهذا حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة وكان يعظم الزهد جدا ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل وهو عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه فان هذا التوحيد يتضمن محبة الله وحده وترك محبة المخلوق مطلقا إلا اذا أحبه الله فيكون داخلا في محبة الله بخلاف من يحبه مع الله فان هذا شرك وهؤلاء المتفلسفة إنما يعظمون تجريد النفس عن الهيولي وهي المادة وهي البدن وهو الزهد في أغراض البدن وهو الزهد في الدنيا وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا فتبقى النفس فارغة فيلقي اليها الشيطان ما يلقيه ويوهمه أن ذلك من علوم المكاشفات والحقائق وغايته وجود مطلق هو في الاذهان لا في الاعيان ولهذا جعل أبو حامد السلوك إلى إلا ثلاثة منازل بمنزلة السلوك الى مكة فان السالك اليها له ثلاثة أصناف من الشغل الاول تهيئة الاسباب كشراء الزاد والراحلة وخرز الراوية والآخر السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه الى الكعبة منزلا بعد منزل والثالث الاشتغال بأركان الحج ركنا بعد ركن ثم بعد النزوع عن لبسة الاحرام
النبوات [ جزء 1 - صفحة 85 ]
وطواف الوداع استحق التعرض للملك والسلطنة قال فالعلوم ثلاثة قسم يجري مجرى سلوك البوادي وقطع العقبات وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات وطلوع تلك العقبة الشامخة التي عجز عنها الاولون والآخرون إلا الموفقون قال فهذا سلوك للطريق وتحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق ومنازله وكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلكوها فكذا لا يغني علم تهذيب الاخلاق دون مباشرة التهذيب لكن المباشرة دون العلم غير ممكن قال وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه وهو العلم بالله وصفاته وملائكته وأفعاله وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة قال وههنا نجاة وفوز بالسعادة والنجاة حاصلة لكل سالك للطريق اذا كان غرضه المقصد وهو السلامة وأما الفوز بالسعادة فلا ينالها إلا العارفون فهم المقربون المنعمون في جوار الله بالروح والريحان وجنة نعيم وأما الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة والسلامة كما قال الله تعالى فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين قال وكل من لم يتوجه الى المقصد أو انتهض الى جهته لا على قصد الامتثال بالأمر والعبودية بل لغرض عاجل فهو من اصحاب الشمال ومن الضالين فله نزل من حميم وتصلية جحيم قال واعلم أن هذا هو الحق اليقين عند العلماء الراسخين في العلم أعني أنهم أدركوه بمشاهدة من الباطن ومشاهدة الباطن أقوى وأجل من مشاهدة الأبصار وترقوا فيه عن حد التقليد الى الاستبصار قلت وكلامه من هذا الجنس كثير ومن لم يعرف حقيقة مقصده يهوله مثل هذا الكلام لان صاحبه يتكلم بخبرة ومعرفة بما يقوله لا بمجرد تقليد لغيره لكن الشأن فيما خبره هل هو حق مطابق ومن سلك مسلك المتكلمين الجهمية والفلاسفة ولم يكن عنده خبرة بحقائق ما بعق به رسوله وأنزل به كتبه بل ولا بحقائق الأمور عقلا وكشفا فان هذا الكلام غايته وأما من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل أو عرف مع ذلك بالبراهين العقلية والمكاشفات الشهودية صدقهم فيما أخبروا به فانه يعلم غاية مثل هذا الكلام وأنه إنما ينتهي الى التعطيل ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة وسلوك وعلم في هذا فقال كلام أبي حامد يشوقك فتسير خلفه وهو
النبوات [ جزء 1 - صفحة 86 ]
يشوقك فتسير خلفه منزلا بعد منزل فاذا هو ينتهي الى لا شيء وهذا الذي جعله هنا الغاية وهو معرفة الله وصفاته وأفعاله وملائكته قد ذكره في المضنون به على غير أهله وهو فلسفة محضة قول المشركين من العرب خير منه دع قول اليهود والنصارى بل قوم نوح وهود وصالح ونحوهم كانوا يقرون بالله وبملائكته وصفاته وأفعاله خيرا من هؤلاء لكن لم يقروا بعبادته وحده لا شريك له ولا بأنه أرسل رسولا من البشر وهذا حقيقة قول هؤلاء فانهم لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ولا يثبتون حقيقة الرسالة بل النبوة عندهم فيض من جنس المنامات وأولئك الكفار ما كانوا ينازعون في هذا الجنس فان هذا الجنس موجود لجميع بني آدم ومع هذا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقرون بالملائكة كما قال فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة وقال قوم نوح ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين بل فرعون قال لموسى أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الاخلاق والشريعة سياسة مدنية والعلم الذي يدعون الوصول اليه لا حقيقة لمعلومه في الخارج والله أرسل رسوله بالاسلام والايمان بعبادة الله وحده وتصديق الرسول فيما أخبر فالاعمال عبادة الله والعلوم تصديق الرسول وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الاخلاص وتارة قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا الآية فانها تتضمن الايمان والاسلام وبالآية من آل عمران قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم
النبوات [ جزء 1 - صفحة 87 ]
والذين سلكوا خلف أبي حامد أو ضاهوه في السلوك كابن سبعين وابن عربي صرحوا بحقيقة ما وصلوا اليه وهو أن الوجود واحد وعلموا أن أبا حامد لا يوافقهم على هذا فاستضعفوه ونسبوه الى أنه مقيد بالشرع والعقل وأبو حامد بين علماء المسلمين وبين علماء الفلاسفة علماء المسلمين يذمونه على ما شارك فيه الفلاسفة مما يخالف دين الاسلام والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من الاسلام وعلى كونه لم ينسلخ منه بالكلية الى قول الفلاسفة ولهذا كان الحفيد ابن رشد ينشد فيه ... يوما يمان اذا ما جئت ذا يمن ... وان لقيت معديا فعدناني ...
وأبو نصر القشيري وغيره ذموه على الفلسفة وأنشدوا فيه أبياتا معروفة يقولون فيها ... برئنا الى الله من معشر بهم مرض من كتاب الشفا ... وكم قلت يا قوم أنتم على ... شفا حفرة مالها من شفا ... فلما استهانوا بتعريفنا ... رجعنا الى الله حتى كفى ... فماتوا على دين رسطاليس وعشنا على سنة المصطفى ...
ولهذا كانوا يقولون أبو حامد قد أمرضه الشفاء وكذلك الطرطوسي والمازري وابن عقيل وأبو البيان وابن حمدين ورفيق أبي حامد أبو نصر المرغيناني وأمثال هؤلاء لهم كلام كثير في ذمه على ما دخل فيه من الفلسفة ولعلماء الاندلس في ذلك مجموع كبير ولهذا لما سلك خلفه ابن عربي وابن سبعين كان ابن سبعين في كتاب اليد وغيره يجعل الغاية هو المقرب وهو نظير المقرب في كلام أبي حامد ويجعل المراتب خمسة أدناها الفقيه ثم المتكلم ثم الفيلسوف ثم الصوفي الفيلسوف وهو السالك ثم المحقق وابن عربي له أربع عقائد الأولى عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجردة عن حجة والثانية تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلامية والثالثة عقيدة الفلاسفة ابن سينا وأمثاله الذين يفرقون بين الواجب والممكن والرابعة التحقيق الذي وصل اليه وهو أن الوجود واحد وهؤلاء
النبوات [ جزء 1 - صفحة 88 ]
يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان العمل وهو أن الفاضل له ثلاث عقائد عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا كالفقه مثلا وعقيدة مع الطلبة يدرسها لهم كالكلام والثالثة لا يطلع عليها أحد إلا الخواص ولهذا صنف الكتب المضنون بها على أهلها وهي فلسفة محضة سلك فيها مسلك ابن سيا ولهذا يجعل اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية إلى امور أخرى قد بسطت في غير هذا الموضع ذكرنا ألفاظه بعينها في مواضع منها الرد على ابن سبعين وأهل الوحدة وغير ذلك فانه لما انتشر الكلام في مذهب أهل الوحدة وكنت لما دخلت إلى مصر بسببهم ثم صرت في الاسكندريةجاءني من فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم وقال ان كنت تشرح لنا كلام هؤلاء وتبين مقصودهم ثم تبطله وإلا فنحن لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك فان هؤلاء لا يفهمون كلامهم فقلت نعم أنا أشرح لك ما شئت من كلامهم مثل كتاب اليد والاحاطة لابن سبعين وغير ذلك فقال لي لا ولكن لوح الاصالة فان هذا يعرفون وهو في رءوسهم فقلت له هاته فلما أحضره شرحته له شرحا بينا حتى تبين له حقيقة الامر وأن هؤلاء ينتهي أمرهم إلى الوجود المطلق فقال هذا حق وذكر لي أنه تناظر اثنان متفلسف سبعيني ومتكلم على مذهب ابن التومرت فقال ذاك نحن شيخنا يقول بالوجود المطلق فقال الآخر ونحن كذلك إمامنا قلت له والمطلق في الاذهان لا في الأعيان فتبين له ذلك وأخذ يصنف في الرد عليهم ولم أكن أظن ابن التومرت يقول بالوجود المطلق حتى وقفت بعد هذا على كلامه المبسوط فوجدته كذلك وأنه كان يقول الحق حقان الحق المقيد والحق المطلق وهو الرب وتبينت أنه لا يثبت شيئا من الصفات ولا ما يتميز به موجود عن موجود فان ذلك يقيد شيئا من الاطلاق وسألني هذا عما يحتجون به من الحديث مثل الحديث المذكور في العقل وأن أول ما خلق الله تعالى العقل ومثل حديث كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن اعرف وغير ذلك فكتبت له جوابا مبسوطا وذكرت أن هذه الاحاديث موضوعة وأبو حامد وهؤلاء لا يعتمدون على هذا وقد نقلوه إما من رسائل
النبوات [ جزء 1 - صفحة 89 ]
اخوان الصفا أو من كلام أبي حيان التوحيدي أو من نحو ذلك وهؤلاء في الحقيقة هم من جنس الباطنية الاسماعيلية لكن أولئك يتظاهرون بالتشيع والرفض وهؤلاء غالبهم يميلون الى التشيع ويفضلون عليا ومنهم من يفضله بالعلم الباطن ويفضل أبا بكر في العلم الظاهر كأبي الحسن الحرلي وفيه نوع من مذهب الباطنية الاسماعيلية لكن لا يقول بوحدة الوجود مثل هؤلاء ولا أظنه يفضل غير الانبياء عليهم فهو أنبل من هؤلاء من وجه لكنه ضعيف المعرفة بالحديث والسير وكلام الصحابة والتابعين فيبني له أصولا على أحاديث موضوعة ويخرج كلامه من تصوف وعقليات وحقائق وهو خير من هؤلاء وفي كلامه أشياء حسنة صحيحة وأشياء كثيرة باطلة والله سبحانه وتعالى أعلم
الثاني أن صلاح النفس في محبة المعلوم المعبود وهي عبادته لا في مجرد علم ليس فيه ذلك وهم جعلوا غاية النفس التشبه بالله على حسب الطاقة وكذلك جعلوا حركة الفلك للتشبه به وهذا ضلال عظيم فان جنس التشبه يكون بين اثنين مقصودهما واحد كالإمام والمؤتم به وليس الأمر هنا كذلك بل الرب هو يعرف نفسه ويحب نفسه ويثني على نفسه والعبد نجاته وسعادته في أن يعرف ربه ويحبه ويثني عليه والتشبه به أن يكون هو محبوبا لنفسه مثنيا بنفسه على نفسه وهذا فساد في حقه وضار به والقوم أضل من اليهود والنصارى بل ومن مشركي العرب فانه ليس الرب عندهم رب العالمين وخالقهم ولا إلههم ومعبودهم ومشركو العرب كانوا يقرون بانه خالق كل شيء وما سواء مخلوق له محدث وهؤلاء الضالون لا يعترفون بذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع
الوجه الثالث أنهم يظنون أن ما عندهم هو علم بالله وليس كذلك بل هو جهل والرازي لما شاركهم في بعض أمورهم صار حائرا معترفا بذلك لما ذكر أقسام اللذات وأن اللذة العقلية هي الحق وهي لذة العلم وأن شرف العلم بشرف المعلوم وهو الرب وأن العلم به ثلاث مقامات العلم بالذات والصفات والأفعال قال وعلى كل مقام عقدة فالعلم بالذات فيه أن وجود الذات هل هو زائد عليها أم لا وفي الصفات
النبوات [ جزء 1 - صفحة 90 ]
هل الصفات زائدة على الذات أم لا وفي الأفعال هل الفعل مقارن أم لا ثم قال ومن الذي وصل الى هذا الباب أو من الذي ذاق من هذا الشراب ... نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال ... وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ... ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ...
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفيه فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات الرحمن على العرش استوى اليه يصعد الكلم الطيب واقرأ في النفي ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي فالسعادة أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يقرب اليه ويعلم أن السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود ولا يحتجب بالعلم عن المعلوم كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لما قال له أخلصت أربعين صباحا فلم يتفجر لي شيء فقال يا بني أنت أخلصت للحكمة لم يكن الله هو مرادك والاخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده فحينئذ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كما في حديث مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخلص لله أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ولهذا تقول العامة قيمة كل امرئ ما يحسن والعارفون يقولون قيمة كل امرئ ما يطلب وفي الاسرائيليات يقول اني لا أنظر الى كلام الحكيم وإنما أنظر الى همته فالنفس لها قوة الإرادة مع الشعور وهما متلازمان وهؤلاء لحظوا شعورها وأعرضوا عن أرادتها وهي تتقوم بمرادها لا بمجرد ما تشعر به فانها تشعر بالخير والشر والنافع والضار ولكن لا يجوز أن يكون مرادها ومحبوبها إلا ما يصلحها وينفعها وهو الآله المعبود الذي لا يستحق العبادة غيره وهو الله لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم مع هذا يكون العلم حقا وهو ما أخبرت به الرسل فالعلم الحق هو
النبوات [ جزء 1 - صفحة 91 ]
ما أخبروا به والارادة النافعة إرادة ما أمروا به وذلك عبادة الله وحده لا شريك له فهذا هو السعادة وهو الذي اتفقت عليه الانبياء كلهم فكلهم دعوا الى عبادة الله وحده لا شريك له وذلك إنما يكون بتصديق رسله وطاعتهم فلهذا كانت السعادة متضمنة لهذين الأصلين الاسلام والايمان عبادة الله وحده وتصديق رسله وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال تعالى فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين قال أبو العالية هما خصلتان يسأل عنهما كل أحد يقال لمن كنت تعبد وبماذا أجبت المرسلين وقد بسط هذا في غير هذا الموضع والله أعلم
واتبع لها أسعد الناس في الدنيا والآخرة وخير القرون القرن الذي شاهدوه مؤمنين به وبما يقول إذ كانوا أعرف الناس بالفرق بين الحق الذي جاء به وبين ما يخالفه وأعظم محبة لما جاء به وبغضا لما خالفه وأعظم جهادا عليه فكانوا أفضل ممن بعدهم في العلم والدين والجهاد أكمل علما بالحق والباطل وأعظم محبة للحق وبغضا للباطل وأصبر على متابعة الحق واحتمال الأذى فيه وموالاة أهله ومعاداة أعدائه واتصل بهم ذلك الى القرن الثاني والثالث فظهر ما بعث به من الهدى ودين الحق على كل دين في مشارق الارض ومغاربها كما قال صلى الله عليه وسلم زويت لي الارض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها وكان لا بد أن يظهر في أمته ما سبق به القدر واقتضته نشأة البشر من نوع من التفرق والاختلاف كما كان فيما غبر لكن كانت أمته خير الأمم فكان الخير فيهم أكثر منه في غيرهم والشر فيهم أقل منه في غيرهم كما يعرف ذلك من تأمل حالهم وحال بني إسرائيل قبلهم وبنو إسرائيل هم الذين قال الله فيهم ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الامر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما
النبوات [ جزء 1 - صفحة 92 ]
كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون انهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وان الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين وقال لهم موسى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين فاذا كان بنو اسرائيل الذين فضلهم على العالمين في تلك الازمان وكانت هذه الامة خيرا منهم كانوا خيرا من غيرهم بطريق الاولى فكان مما خصهم الله به أنه لا يعذبهم بعذاب عام لا من السماء ولا بأيدي الخلق فلا يهلكهم بسنة عامة ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم كما كان يسلط على بني إسرائيل عدوا يجتاحهم حتى لا يبقى لهم دين قائم منصور ومن لا يقتل منهم يبقى مقهورا تحت حكم غيرهم بل لا تزال في هذه الامة طائفة ظاهرة على الحق الى يوم القيامة ولا يجتمعون على ضلالة فلا تزال فيهم أمة يدعون الى الخبر ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها وهذا البأس نوعان أحدهما الفتن التي تجري عليهم والفتنة ترد على القلوب فلا تعرف الحق ولا تقصده فيؤذي بعضهم بعضا بالاقوال والاعمال والثاني أن يعتدي أهل الباطل منهم على اهل الحق منهم فيكون ذلك محنة في حقهم يكفر الله بها سيآتهم ويرفع بالصبر عليها درجاتهم وبصبرهم وتقواهم لا يضرهم كيد الظالمين لهم بل تكون العاقبة للتقوى ويكونون من أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين إذا كانوا من أهل الصبر واليقين فانه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين والمتعدي منهم إما أن يتوب الله عليه كما تاب على إخوة يوسف بعد عدوانهم عليه وآثره الله عليهم بصبره وتقواه كما قال لما قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا
النبوات [ جزء 1 - صفحة 93 ]
لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وكما فعل سبحانه بقادة الاحزاب الذين كانوا عدوا لله وللمؤمنين وقال فيهم لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ثم قال عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم وفي هذا ما دل على أن الشخص قد يكون عدوا لله ثم يصير وليا لله مواليا لله ورسوله والمؤمنين فهو سبحانه يتوب على من تاب ومن لم يتب فالى الله إيابه وعليه حسابه وعلى المؤمنين أن يفعلوا معه ومع غيره ما أمر الله به ورسوله من قصد نصيحتهم وإخراجهم من الظلمات الى النور وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر كما أمر الله ورسوله لا اتباعا للظن وما تهوى الأنفس حتى يكون من خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وهؤلاء يعلمون الحق ويقصدونه ويرحمون الخلق وهم أهل صدق وعدل أعمالهم خالصة لله صواب موافقة لأمر الله كما قال تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال الفضيل ابن عياض وغيره أخلصه وأصوبه والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة وهو كما قالوا فان هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما قال ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ابراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا فالذي أسلم وجهه لله هو الذي يخلص نيته لله ويبتغي بعمله وجه الله والمحسن هو الذي يحسن عمله فيعمل الحسنات والحسنات هي العمل الصالح والعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله من واجب ومستحب فما ليس من هذا ولا هذا ليس من الحسنات والعمل الصالح فلا يكون فاعله محسنا وكذلك قال لمن قال لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى قال تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقد قال تعالى ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين والاسلام هو دين جميع الانبياء والمرسلين ومن اتبعهم من الامم كما
النبوات [ جزء 1 - صفحة 94 ]
أخبر الله بنحو ذلك في غير موضع من كتابه فأخبر عن نوح وابراهيم واسرائيل انهم كانوا مسلمين وكذلك عن اتباع موسى وعيسى وغيرهم والاسلام هو أن يستسلم لله لا لغيره فيعبد الله ولا يشرك به شيئا ويتوكل عليه وحده ويرجوه ويخافه وحده ويحب الله المحبة التامة لا يحب مخلوقا كحبه لله ويبغض لله ويوالي لله ويعادي لله فمن استكبر عن عبادة الله لم يكن مسلما ومن عبد مع الله غيره لم يكن مسلما وإنما تكون عبادته بطاعته وطاعة رسله من يطع الرسول فقد أطاع الله فكل رسول بعث بشريعة فالعمل بها في وقتها هو دين الاسلام وأما ما بدل منها فليس من دين الاسلام وإذا نسخ منها ما نسخ لم يبق من دين الاسلام كاستقبال بيت المقدس في أول الهجرة بضعة عشر شهرا ثم الامر باستقبال الكعبة وكلاهما في وقته دين الاسلام فبعد النسخ لم يبق دين الاسلام إلا أن يولي المصلي وجهه شطر المسجد الحرام فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة لم يكن على دين الاسلام لانه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجه الى بيت المقدس فلهذا كانت السنة في الاسلام كالاسلام في الدين هو الوسط كما قد شرح هذا في غير موضع والمقصود هنا أنه اذا رد ما تنازع فيه الناس إلى الله والرسول سواء كان في الفروع أو الأصول كان ذلك خيرا وأحمد عاقبة كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا وقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا قام من الليل يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات
النبوات [ جزء 1 - صفحة 95 ]
والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك إنك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم وهذه حال أهل العلم والحق والسنة يعرفون الحق الذي جاء به الرسول وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول ويدعون اليه ويأمرون به نصحا للعباد وبيانا للهدى والسداد ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى ولم يحكموا عليه بالجهل بل حكمه الى الله والرسول فمنهم من يكفره الرسول ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد يجعل له أجرا على فعل ما أمر به من الاجتهاد وخطؤه مغفور له كما دل الكتاب وأما أهل البدع فهم أهل أهواء وشبهات يتبعون أهواءهم فيما يحبونه ويبغضونه ويحكمون بالظن والشبه فهم يتبعون الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى فكل فريق منهم قد أصل لنفسه أصل دين وضعه إما برأيه وقياسه الذي يسميه عقليات وإما بذوقه وهواه الذي يسميه ذوقيات وإما بما يتأوله من القرآن ويحرف فيه الكلم عن مواضعه ويقول انه إنما يتبع القرآن كالخوارج وإما بما يدعيه من الحديث والسنة ويكون كذبا وضعيفا كما يدعيه الروافض من النص والآيات وكثير ممن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتج من القرآن بما يتأوله على غير تأوله ويجعل ذلك حجة لا عمدة وعمدته في الباطن على رأيه كالجهمية والمعتزلة في الصفات والافعال بخلاف مسائل الوعد والوعيد فانهم قد يقصدون متابعة النص فالبدع نوعان نوع كان قصد أهلها متابعة النص والرسول لكن غلطوا في فهم المنصوص وكذبوا بما يخلف ظنهم من الحديث ومعاني الآيات كالخوارج وكذلك الشيعة المسلمين بخلاف من كان منافقا زنديقا يظهر التشيع وهو في الباطن لا يعتقد الاسلام وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الامر والنهي وتصديق الوعيد مع الوعد ولهذا قال عبد الله بن المبارك ويوسف ابن أسباط وغيرهما ان الثنتين والسبعين فرقة أصولها أربعة الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية وأما الجهمية النافية للصفات فلم يكن أصل دينهم اتباع الكتاب والرسول
النبوات [ جزء 1 - صفحة 96 ]
فانه ليس في الكتاب والسنة نص واحد يدل على قولهم بل نصوص الكتاب والسنة متظاهرة بخلاف قولهم وإنما يدعون التمسك بالرأي المعقول وقد بسط القول على بيان فساد حججهم العقلية وما يدعيه بعضهم من السمعيات وبين أن المعقول الصريح موافق للمنقول الصحيح في بطلان قولهم لا مخالف له والمقصود هنا الكلام في أفعال الرب فان الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم صاروا يسلكون فيه بأصل أصل بالمعقول ويجعلونه العمدة وخاضوا في لوازم القدر برأيهم المحض فتفرقوا فيه تفرقا عظيما وظهر بذلك حكمة نهي النبي صلى الله عليه وسلم لأمته عن التنازع في القدر مع أن المتنازعين كان كل منهما يدلي بآية لكن كان ذلك يفضي إلى إيمان كل طائفة ببعض الكتاب دون البعض فكيف إذا كان المتنازعون عمدتهم رأيهم والحديث رواه أهل المسند والسنن مفصلا ورواه مسلم مجملا عن عبد الله بن رباح الانصاري أن عبد الله بن عمرو قال هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمع صوت رجلين اختلفا في آية فخرج علينا صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب وقال الإمام أحمد في المسند حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر قال فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب قال فقال مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض بهذا هلك من كان قبلكم قال فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم اشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده وهذا حديث محفوظ من رواية عمرو بن شعيب وقد رواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية وكتب أحمد في رسالته إلى المتوكل هذا الحديث وجعل يقول في مناظرته لهم يوم الدار في المحنة إنا قد نهينا عن أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض وروى هذا المعنى الترمذي من حديث أبي هريرة وقال حديث حسن غريب قال وفي الباب الذي فررت منه فانه كما قيل ان له حياة وعلما وقدرة وإرادة وغضبا ورضى ونحو ذلك قلت هذا يستلزم أن يكون موافقا للمخلوق في مسمى هذه الاسماء وهذا تشبيه فقيل هذا يلزم مثله في الذات فان قيل بتعطيل الذات فذلك يستلزم
النبوات [ جزء 1 - صفحة 97 ]
ما فررت منه من ثبوت جسم قديم حامل للاعراض والحركات وإذا كان هذا لازما لك على تقدير نفي الذات كما ثبت انه لازم على تقدير إثباتها كان لازما على تقدير النقيضين النفي والإثبات وما كان كذلك لم يمكن نفيه وأما نحن فقد بينا أن اللازم على تقدير إثباتها لا محذور فيه وإنما المحذور لازم على تقدير نفيها وهذا قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أنه يقال لهؤلاء الذين ينفون الحكمة ثم الارادة ثم الفعل في الأفعال نظير ما قيل لأولئك في الصفات ويجعل مبدأ الكلام من الارادة في الموضعين فيقال لمن أثبتها ونفي الحكمة من المنتسبين الى إثبات القدر والمنتسبين الى السنة والجماعة لم نفيتم الحكمة فاذا قالوا لأنا لا نعرف من يفعل لحكمة إلا من يفعل لغرض يعود اليه وهذا لا يكون إلا فيمن يجوز عليه اللذة والألم والانتفاع والضرر والله منزه عن ذلك فيقال لهم ما قاله نفاة الارادة وأنتم لا تعقلون ارادة إلا فيمن يجوز عليه اللذة والالم والانتفاع والضرر وقد قلتم ان الله تعالى مريد فاما أن تطردوا أصلكم النافي فتنفوا الارادة أو المثبت فتثبتوا اللذة والا فما الفرق فاذا قال نفاة الارادة فلهذا نفينا الارادة كما رجحه الرازي في المطالب العالية واحتج به الفلاسفة قيل لهم فانفوا أن يكون فاعلا فانكم لا تعملون فاعلا غير مقهور إلا بارادة ولا تعقلون ما يفعل ابتداء إلا بارادة أو فاعلا حياء إلا بارادة أو فاعلا مطلقا إلا بارادة فان قال أتباع أرسطو فلهذا قلنا أنه لا يفعل شيئا وليس بموجب بذاته شيئا لكن قلنا ان الفلك يتشبه به أو قال من هو أعظم تعطيلا منهم فلهذا نفينا الأول بالكلية ولم يثبت علة تفعل ولا علة يتشبه بها قيل لهم فهذه الحوادث مشهودة وحركة الكواكب والشمس والقمر مشهودة فهذه الحركات الحادثة وغيرها من الحوادث مثل السحاب والمطر والنبات والحيوان والمعدن وغير ذلك مما يشهد حدوثه أحدث بنفسه من غير أن يحدثه محدث قديم أو لا بد للحوادث من محدث قديم فان قالوا بل حدث كل حادث بنفسه من غير أن يحدثه أحد كان هذا ظاهر الفساد يعلم بضرورة العقل أنه في غاية المكابرة ونهاية السفسطة مع لزوم ما فروا منه فانهم فروا من أن يكون ثم فاعل محدث
النبوات [ جزء 1 - صفحة 98 ]
وقد أثبتوا فاعلا محدثا لكن جعلوا كل حادث هو يحدث نفسه ويفعلها فجعلوا ما ليس بشيء يجعل الشيء وجعلوا المعدوم يحدث الموجود فلزمهم ما فروا منه من إثبات فاعل مع ما لزمهم من الكفر العظيم وغاية الجهل وغاية فساد العقل وان قالوا بل كل محدث يحدثه محدث وللمحدث محدث قيل لهم هذا أيضا ممتنع في صريح العقل فان التسلسل في الفاعل ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء فانه كلما كثر ما يقدر أنه حادث كان أحوج إلى القديم فليس في تقدير حوادث لا تتناهى ما يوجب استغناءها عن القديم بل إذا كان المحدث الواحد لا بد له من محدث غيره فمجموع الحوادث أولى بالافتقار إلى محدث لها خارج عنها كلها فان المحدث لمجموعها يمتنع أن يكون واحدا منها فانه يلزم أن يحدث نفسه ويمتنع أن يكون المجموع أحدث المجموع فان الشيء لا يحدث نفسه والمجموع هي الآحاد الحادثة وهيئتها الاجتماعية وتلك الهيئة محتاجة الى المجموع الذي هو كل واحد واحد والمجموع ليس إلا الآحاد واجتماعها وكل ذلك مفتقر إلى محدث مباين لها فلا بد للحوادث من قديم ليس بحادث ثم يقال لهم إذا قدر تسلسل الفاعلين وان ما كان محدثا له محدث وهلم جرا فهذا فيه إثبات ما فررتم منه وهو أن هذا المحدث فعل هذا وهذا فعل هذا لكن أثبتم مالا يتناهى من ذلك في آن واحد فركبتم ما فررتم منه مع لزوم هذه الجهالات التي تقتضي غاية فساد العقل والكفر بالسمع وإذا كان المحذور يلزمهم على تقدير أن يكون الحادث أحدث نفسه أو أحدث كل حادث حادثا آخر مع فساد هذين تبين أنه لا ينفعه انكار القديم وان قال بل أقر بالمحدث القديم قيل فقد أقررت بفعل القديم للمحدث وإذا ثبت أن القديم فعل المحدث وأنت لا تعلم فاعلا إلا لجلب منفعة أو دفع مضرة قيل له فما كان جوابك عن هذا كان جوابا عن كونه يفعل بارادته وقيل لمثبت الارادة ما كان جوابك عن هذا كان جوابا عن حكمته فقد بين أن من نفي الحكمة فلا بد أن ينقض قوله ويلزمه مع التناقض نفي الصانع وهو مع نفي الصانع تناقضه أشد والمحذور الذي فر منه ألزم فلم يغن عنه فراره من إثبات الحكمة إلا زيادة الجهل والشر وهكذا يقال لمن نفى حبه
النبوات [ جزء 1 - صفحة 99 ]
ورضاه وبغضه وسخطه وهذا مقام شريف من تدبره وتصوره تبين له أنه لا بد من الإقرار بما جاء به الرسول وأنه هو الذي يوافق صريح المعقول وأن من خالفه فهو ممن لا يسمع ولا يعقل وهو أسوأ حالا ممن فر من الملك العادل الذي يلزمه بطعام امرأته وأولاده والزكاة الشرعية إلى بلاد ملكها ظالم ألزمه باخراج أضعاف ذلك لخنايزه وكلابه مع قلة الكسب في بلاده وبمنزلة من فر من معاشرة أقوام أهل صلاح وعدل ألزموه ما يلزم واحدا منهم من الأمور المشتركة إذا كانوا مقيمين أو مسافرين أن يخرج مثلما يخرجه الواحد منهم فكره هذا وفر إلى بلد فألزمه أهلها بأن ينفق عليهم ويخدمهم وإلا قتلوه وما أمكنه الهرب منهم فمن فر من حكم الله ورسوله أمرا وخبرا أو ارتد عن الاسلام أو بعض شرائعه خوفا من محذور في عقله أو علمه أو دينه أو دنياه كان ما يصيبه من الشر أضعاف ما ظنه شرا في اتباع الرسول قال تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا واذا قيل لهم تعالوا الى ما أنزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف اذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله ان أردنا إلا احسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
فصل ويقال لهم لم فررتم من إثبات المحبة والحكمة والارادة والفعل فان قالوا لأن ذلك لا يعقل إلا في حق من يلتذ ويتألم وينتفع ويتضرر والله منزه عن ذلك قيل للفلاسف
المصدر :
كتاب : النبوات لابن تيمية
>> عدد الأجزاء= 1 <<
النبوات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق